رب يسر وأعن

التصوف كلمة أو اصطلاح يوحي بمعانٍ ودلالات كثيرة بعضها متناقض. فالبعض يتصور رجلًا في زي بسيط يقوم الليل في ظلمة السحر وآخر ينتقل ذهنه من صورة الرجل ذي الزي الأبيض الفضفاض والطربوش الأحمر الطويل يدور حول نفسه وقرينه المصري ذي التنورة الملونة مرورًا بصورة المسبحة الطويلة، وصور الأضرحة والمقامات وصولًا إلى حفلات الموسيقى الصوفية أو السماع. كثيرًا ما كنت أسمع عبارات مثل: “أنا أحب التصوف! أو أميل إليه” أو العكس: “أنا ضد التصوف”، أو إطلاق الأمر باعتباره سُبة “كيف تسمع لهذا الرجل إنه صوفي!”.

 

لا أتذكر تحديدًا متى بدأ شغفي بالبحث عن التصوف، لكني أذكر أني دُعيت إلى “حضرة” أو مجلس ذكر نقشبندي من أحد معارفي – وهو أستاذ في جامعة الأزهر – وكان جُل الحاضرين من غير العرب، بعضهم من إنجلترا وهولندا على سبيل المثال، وكلهم قد أسلموا بسبب القراءة عن التصوف أو مخالطة بعض ذوي التجربة الصوفية. وكان منهم أستاذ في الفلسفة درس اللاهوت وكل العلوم المتعلقة بالارتقاء بالروح والنفس في كثير من الديانات حتى غير السماوي منها كالبوذية مثلًا لعدة سنوات.

 

كان الذكر في غرفة ذات إضاءة خافتة له وقع لا يُنكر في القلب، ثم تلاه درس ذكر فيه الشيخ الكثير مما أنكرت وقتئذ، ثم صلينا القيام 23 ركعة كلها بسورة الملك فكانت الركعة بآية واحدة أو آيتين شديدة السرعة نُقر فيها الركوع والسجود بما لا يكاد يكفي تسبيحة مطمئنة واحدة!

كانت تجربة عجيبة خلفت انطباعات متعددة، لكن لا أنكر أني أضمرت في صدري انطباعًا سلبيًا خاصة عن الصلاة المنقورة المنهي عنها صراحةً، ونفس الانطباع السلبي عن قصة وعظية ذُكرت في الدرس الذي أُلقي بالإنجليزية. خاصة وأن بداية دراستي للعلوم الشرعية كانت في المدارس السعودية وقد أورث ذلك بداخلي نزعة ناقدة ظلت معي للآن على تقلب في حدتها.

 

قرأت بعدها بعدة أيام مصادفة – هل يصح لفظ المصادفة في خلال الحديث عن التصوف؟ – في مجلة وجدتها في أحد المساجد عن “القصص المفتراة على أئمة التصوف” وذكر صاحب المقال – من الأعلام المعاصرين – طرفًا من القصة التي أنكرت والتي ذكرت في الدرس قبل ذلك بعدة أيام!

 

بعد هذه الواقعة بعدة سنوات صليت مع أحد مشايخ الصوفية قيام ليل بأكثر من 7 أجزاء في الليلة الواحدة تخللها درس لشرح أحد شروح البخاري، وخُتم بشرح لصحيح مسلم! هذا تصوف وهذا تصوف؟

 

في رحلة محاولة فهم التصوف، يجب أن نفرق بين القراءة في التصوف وعن التصوف! في الواقع جُل ما قرأت “عن” التصوف كان من أكثر الكتب مللًا وإثارة للسأم!

 

وقد فهمت في مرحلة تالية أن التعامل مع التصوف باعتبار تجلياته أو هوامشه الأدبية أو الفكرية أو الفلسفية أو الفنية ما هو إلا اهتمام بصوت قارئ دون استماع لما يتلو، أو عناية بغلاف كتاب فاخر دون معايشة سطوره، أو كالذي يقرأ عن الحب ولم يُرزق به. ولكن تظل تلك الهوامش أو الهالات الأدبية والفلسفية والفنية هي المتصورة في الذهن عن كلمة التصوف سلبًا أو إيجابًا.

 

وقد سميت هذه السلسلة “التشوف إلى تحقيق التصوف”. قلت “التشوف” لأني لا أزعم أو أدعي تحقيق التصوف أو فهمه فهمًا عامًا محيطًا فهذا لا يتأتى إلا لأفراد الدهر، بل نتشوف وندعو الله أن يعلمنا ما فيه رضاه. وعنيت بالتحقيق معنيين، أولهما تحقيق بعض من القضايا المثارة حول التصوف وممارساته وتاريخه من عقيدة وفقه وعلاقته بالسياسة وعلاقته بالفن والأدب.

 

تحقيق ذلك بمعنى دراسة نشأة هذه العلاقة، ومحاولة نقدها وردها إلى أصولها الصوفية لنرى مدى ارتباطها بأصلها بعد قرون من التطور والتمازج بالثقافات المختلفة والعقائد المتباينة، والمعنى الثاني: محاولة تحقيق معنى التصوف كتجربة دينية تكلم عنها عدد من الأعلام، تحققًا قلبيًا وعقليًا، بعد إزالة المشغبات مما تعلق بالتصوف من غير مادته مستندين في أغلب الأحيان إلى كتب علم التصوف نفسها لا الكتب التي تتكلم عن تلكم الكتب!

 

من الطبيعي أن نبدأ بتعريف التصوف، وقد أسهبت الكثير من الكتب (خاصة المعاصرة منها) في الحديث عن أصل اللفظة ومعانيها. بيد أننا نريد أن نصل إلى تعريف يصل إلى الجمع بين شخصيات إسلامية متباينة التفكير بداية من محدثين وأصوليين وفقهاء مثل سلطان العلماء العز بن عبد السلام – وله مؤلفات في التصوف – و الإمام موفق الدين بن قدامة الحنبلي (صاحب المغني في الفقه)، والإمام النووي، وأبي عمرو ابن الصلاح، والذهبي وتقي الدين السبكي وولده تاج الدين السبكي والحافظ ابن الملقن والغزالي والسيوطي وغيرهم رضي الله عنهم جميعًا، وقد صرح جميعهم بالتصوف في مؤلفاتهم أو صرح بذلك من ترجم لهم من الثقات وهو قريب عهد بهم.

 

كيف نجمع هؤلاء الأئمة الأعلام في علوم الشرع بأسماء ارتبطت في الأذهان بالشطح مثل ابن عربي – المعروف بالشيخ الأكبر – وابن الفارض وابن سبعين والحلاج؟ رحم الله الجميع. ما موقف شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم من التصوف؟ وهل يتطابق موقفهما مع مواقف من ينسب نفسه إلى منهجهما في هذه الأيام؟

تعريف التصوف ينقسم إلى قسمين، قسم لغوي وقسم اصطلاحي، والنزاع في الاشتقاق اللغوي معروف وهو بين أن يُنسب إلى لبس الصوف – وقد بدأ ذلك زهدًا في عهد فحُش فيه الثراء والترف فكان ذلك رد فعل زاهد حاد على نفس حدة الثراء المطغي – وقال البعض أنه من الصفاء، وأنشدوا: ولست أنحل هذا الاسم غير فتى .. صافى فصوفي حتى سمي الصوفي.

 

وقال آخرون أنه نسبة إلى “أهل الصُفة” وهم الفقراء العباد من أصحاب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (وقد ظلت لفظة الفقر والفقراء مرادفة للفظة التصوف و الصوفية أو العباد في التراث الصوفي).

 

وأجد أن ثمة إبعاد في نسبة التصوف إلى الصفاء وأهل الصفة، ليس فقط لعدم استقامة الاشتقاق لغويًا – فبعض الاصطلاحات أو الأسماء المنسوبة تشذ عن القواعد الصرفية – وإنما لأنه لم تكن اصطلاحات الصوفية – ومنها الصفاء – قد استقرت بعد وقت عُرف التصوف باسمه، وكذا لا رابط تاريخي بين أهل الصفة وأوائل أعلام التصوف. وقد أورد الإمام شهاب الدين السهروردي (ت. 632هـ) في كتابه عوارف المعارف بأسانيده عددًا من الأحاديث والآثار التي استدل بها على أن ارتداء الصوف زهدًا كان من عهد النبوة والصحابة – وشهاب الدين عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي محدث فقيه مربٍ علَم غير شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي الفيلسوف المقتول سنة 586هـ صاحب الفلسفة الإشراقية.

 

أما عن المعنى الاصطلاحي فقد ذكر المصنفون أن للتصوف نحو الألف من التعريفات، ولكننا نختار التعريف الظاهري البسيط الذي يوضح مكان التصوف من العلوم الإسلامية، وهو قولهم أن الدين الإسلامي له ثلاثة أركان ذكرت في حديث جبريل عليه السلام الذي رواه سيدنا عمر بن الخطاب، ذكر فيه الإسلام والإيمان والإحسان، وكل ركن له علمٌ يحفظه ويُعنى به.

 

فكان مدار الإسلام على أركانه الخمسة وهي الشهادتان والصلاة والصوم والزكاة والحج، وقالوا أن العلم الذي يحفظ هذا الجزء من الدين هو الفقه الذي يستبان به الحلال والحرام، وقد تفرع إلى المذاهب الفقهية الأربعة المعروفة، وقالوا بأن العنصر الثاني الإيمان بأركانه الستة من إيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر يحفظه علم العقيدة أو التوحيد. ثم انتهوا بأن العلم الذي يُعنى بالإحسان “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك” هو علم التصوف.

 

وقد ذكر نحوًا من ذلك عددٌ من الأئمة منهم الإمام تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى. وقد اخترت هذا التعريف ليكون حدًا وميزانًا لنا في الحكم على بعض مظاهر التصوف التي ستقابلنا خلال سيرنا في هذه المقالات وعلى الظواهر المتعلقة بالتصوف. ويظهر من هذا التعريف لم قد انتسب إليه كثير من الأئمة ممن مثّلنا بأسماء قليل منهم آنفًا إلى التصوف. وأن هؤلاء الأعلام في الفقه والأصول والحديث هم كذلك أئمة الزهد والورع وهم الأولى بتحقيق الإحسان لأنهم الأعلم بشرط التصوف الذي ذكره سيد الطائفة – الإمام الجنيد – فقال: “علمُنا – يقصد علم تزكية النفس أو التصوف بهذا التعريف – مضبوط بالكتاب والسنة ومن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث ويتفقه قبل سلوكه فإنه لا يجوز الاقتداء به”.

 

وقد انتقد التصوف من هذا الباب، فأنكر البعض هذه التسمية لكونها لم ترد في القرآن ولا في السنة، وكذلك تساءل آخرون عن تأخر ظهور هذه الكلمة إلى النصف الثاني من القرن الثاني الهجري؟ وقد أجيب عن ذلك بعدة أجوبة، منها أن أسماء العلوم الشرعية اكتسبت في مراحل تالية لعصر الصحابة والتابعين رغم وجودها وتعلمها منذ عصر النبوة. فمن ذلك علم العقيدة وعلم التفسير، فليس للكلمتين ذكر في القرآن أو السنة لكن المعنى ثابت.

 

وزادوا في الإجابة على ذلك أن أعلام عصور ما قبل النصف الثاني من القرن الثاني اختصوا بألقاب تاريخية لا تتأتى لغيرهم، فالصدر الأول هم أصحاب سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأي لقب يفوق الصحبة؟ ثم تلاهم التابعون وقد اختصوا بالالتحاق بأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأثره بينهم في أصحابه رضوان الله عليهم، حتى إذا بعُد العهد بالنبوة، وفُتحت الدنيا على المسلمين في الأجيال التالية اختص أُناس بملازمة الزهد والورع وترك الدنيا (ولذا فقد صُنف كثير من الكتب بهذا العنوان “الزهد” في نفس الفترة تقريبًا كلها مجردة لأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته وتابعيهم وزهدهم وعبادتهم)، وكما كان الفقه يتطور من فتاوى الصحابة القائمة على ما تلقوه من الرسول صلى الله عليه وسلم وما يستنبطونه من ذلك، إلى علم له أصول تُدرس وأدلة تحتاج إلى منهاج في التعامل معها.

 

وكذلك علم العقيدة، خاصة مع احتكاك المسلمين بغير عقائدهم من ديانات أهل الكتاب والفلاسفة من أهل العراق وفارس والهند مما احتاج إلى علم يحفظ العقيدة، افتقر الركن الثالث من الدين (وفقًا للتعريف الذي اخترناه) إلى علم تُزكى به الأنفس وتُعرف به مداخل الشيطان وحيل النفس، خاصة مع ازدياد ضعف النفوس وخفوت ضوء الإيمان في قلوب العامة مع وفاة الصحابة ثم كبار التابعين فصغارهم مع اتساع الدنيا على الناس.

فإن كان الأمر كذلك إذًا فما بال الراقصين؟ وأصحاب عروض التنورة؟ وما علاقتهم بالتصوف؟ ما هي عقيدة الصوفية؟ ثم لم ارتبط التصوف في الأذهان بالبدع الشعائرية والعقدية مثل وحدة الوجود أو الاتحاد والحلول؟ ما شأن كل ما قلناه بالقبور؟ وما علاقة ذلك بعروض الموسيقى؟ ماذا عن علاقة المتصوفة بالسياسة والحكام؟ ماذا عن الكتب التي تقارن بين أعلام للتصوف مثل ابن عربي – المعروف بالشيخ الأكبر – وفلاسفة غربيين مثل سبينوزا؟ كيف يقارن نتاج علم يُفترض أن يكون ذروة الاتباع والدين بنتاج علم آخر لم يُبن على عقيدة أو وحي ولم يؤد إلى إيمان أو توحيد؟ خلال اثني عشر قرنًا كيف تغير مفهوم التصوف حتى وصل إلى ما صرنا إليه؟ وكيف كان تأثير السلفية المعاصرة – أو الوهابية في اصطلاح البعض – في الظواهر الصوفية في المجتمعات الإسلامية من بداية حركتها حتى هذه الأيام التي تبدلت فيها الأدوار والوجوه والنفوس؟ كيف كان ارتباط المنتسبين للتصوف بالسلطان قديمًا وحديثًا؟

 

السبيل إلى إجابة هذه الأسئلة – في المقالات القادمة من هذه السلسلة – هو بِرد كل سؤال إلى أصله من الشرع وإلى حد التصوف الذي ذكرناه والذي لا نعتقد أن يخالف في صحة المدلول ووجوبه أحدٌ من المسلمين، وأما النزاع والخلاف فهو في صحة اللفظ الدال وتطابقه مع المدلول وجدوى استخدام اللفظ بعد أن علق به ما علق. عسى أن نستجلي بذلك بداية طريق السلوك إلى الله عقيدةً ومنهاجًا، متشوفين إلى التحقق والتحقيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد