لماذا أستمر في البحث عن النوتات الضائعة لصوت الحقيقة وأنا أعلم أن في اللحظة التي أتوقف فيها عن ذلك أجدها أمامي؟ حقيقةَ أن لا حقيقة هنا، وهذه إن سمّيتها حقيقةً ستكون بالفعل غير موجودة؛ ربما تخذلني المفاهيم في وصف ما أسعى لقوله، لكن ببساطة، طوال ركضي في الغابات وأنا أشعر أني أسرق الهواء مرة من هنا، ومرة من هناك، لكي أبقى صامدًا ولا أتوقف عن الركض، حتى أصل إلى البقعة التي أريد، وَفق التخطيط المسبق لعملية الركض، هذا يعني أنني شعرتُ بعبء أن أكون سارقًا للهواء بخفية وبشكل سريع، وعبء أن تؤجرني هذه الغابة مسافتها لأصل إلى هدفي دون أن أسدد أجر الرحلة!

يعني أنني في اللحظة التي أتوقّف فيها عن الركض لأجل أن أربط حذائي خوف أن يعرقلني وأقع، في هذه اللحظة سأرى بأن عشبًا صغيرًا ينمو في فتحات التراب، وسأسمع إن ركّزت صوت عصفورين يتشاجران على الشجرة المقابلة، وعندما تتوقف الريح من حولي سأجد أنها مجرد هواء ساكن ولكن ركضي جعلها ريحًا، ووجدت أن لا داعي لأسرق منه بالخفية بل أنه لي، سأجد أخيرًا، إذا وصلت إلى البقعة المنشودة، أنها لم تكن سوى آخر ذرة تراب في هذه الغابة، وما بعدها محيط شاسع من الأبدية، إلى ماذا كنت أبغي الوصول إذن؟

كنت أشاهد في صغري برنامجًا على التلفاز، كان يتحدث عن أبطال يحاربون، ومن تحتهم محيط واسع إذا ما سقطوا فيه خطأً لن يكون بوسعهم العودة، ماذا لو تشقّقت أرضي قي الغابة وألقتني في ذات المحيط الذي أريد الوصول إليه أصلًا، ولكن بشكل مفاجئ؟

هذه الغابة الصغيرة هي كوننا، والمحيط الشاسع كان النّهاية، النهاية بمفهومي توازي الموت وتوازي الحقيقة، هل تراها أيضًا كذلك؟ الركض هو كيفية معيشتنا الحالية على هذا الكون، هو انخراطنا للراكضين وقَبولنا وإيماننا بأن علينا الركض فقط لنصل لما نريد، كلنا لنفس الهدف وبنفس المبادئ، هو أن نكره كل من لا يركض معنا وكل من يقف ويتأمل هذا الكون، يتأمل الحيَوات الصغيرة من حوله، ويسمع دقات الكون في دقات الحيوات الصغيرة.

هل علينا أن ننتظر حدثًا عابرًا، مصادفةً أو معجزةً لجعلنا نلتفت إلى الحياة التي سُرقت منّا دون أن نعي؟ هل أنتظر انفلات رباط حذائي حتى أنتبه بدهشة إليها؟

‎‫إن أجمل ما يمكنني فعله، أن أعي، كيف أخلق فرصتي، وآخُذ أبعاد مساحتي على هذه الأرض، من غير أن أتعدى ولو بلُطفٍ على مساحة جاري، ولكن، إن أسوأ تجارب عمري التي خضتُها أن تنسكب من يديَ الدهشة أبدًا. سوف تحزن دائمًا وسوف تفرح كذلك وتتغنّى بالوَحدة وتُشعل الغيرة كعود ثقابٍ أخير، تفعل كل ذلك وأنت متصبِّبٌ بالدهشة ثملًا بها كما لو كانت الكأس الأخيرة، لكن إلى أين سيمضي الوقت بك عندما تخسر ما تبقّى لديك من عنفوان اليوم وصخَب الآتي، عندما يخيّم البرود على صدرك ويجعله ورقةً يابسة، سقطت من غصنٍ أعزب إلى الأرض غير الودودةِ الّتي ربما تقذفك ليدوسك المارّون عليها، بدل أن تحضنك وتجعلك تذوب فيها، لترجع بعدها ترابًا إلى أصل الشجرة العزباء.‬

لمَ نشعر أننا يجب أن نكون ممتنّين لكل ما هو لنا بالأصل والضرورة؟ هذا الهواء وتلك المساحات هي لنا بمجرّد أننا وجدنا عليها لنعيش، علام أشعر بالسخط و المنون؟ الكره والقسوة لغيري المختلف عنّي؟ وأنا أستطيع أن أكون الحاني، المستشفّ للجمال، المدرك أن لكل تفصيلٍ  جميلٍ صوت، سيكون أرقّ وأعذب من صوت الحقيقة، الذّي ينسج البشر واحدًا كل ألفيْ عامٍ على ما يناسب مقاسهم فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد