خرافات عصرنا الحديث

في مطلع القرن الواحد والعشرين، عادت فكرة قديمة جدًا للحياة وبدأت بالانتشار بشدة بين الناس، وبدأوا بتصديقها وكتابةِ كتبٍ وسردِ قصصٍ عديدةٍ عنها وبناء نظريات كاملة حولها. «تَمنِي الشيء يُحققه» أو ما يُعرَف بقانون الجذب، ويعني أن التفكير المستمر بشيءٍ ما وتمني حدوثِهِ بشدة يحققه لا محالة. كانت الخرافات عن وجود الغيلان والمخلوقات الفضائية وحوريات البحر وغيرها من كائنات العوالم الخفية تحتل جزءًا كبيرًا من ثقافاتِ الشعوب القديمة، والاعتقاد بوجودها في وقتنا الحاضر يعتبر ضربًا من الدجل والتخلف العقلي. ولكن في عصرنا هذا بدأنا بتصديق خرافاتٍ جديدة تليق نوعًا ما بزماننا وبمستوى التطور الذي وصلت إليه البشرية. وقانون الجذب يعتبر أحدَ تلك الخرافات التي تُشبِع احتياجاتنا الروحية والشخصية في ظل عالم مليء بالماديات والسوداوية. فتحقيق الأشياء فقط بالتمني يُعتبر فكرةً أجملَ وأسهل من فكرة العمل الدؤوب وبذل الجهد والوقت لتحقيق مرادنا وأحلامنا.

كانت الدجل والخرافات والروايات الزائفة والقصص الخيالية وعِلمُ التنجيمِ مَحَط اهتمام البشرِ على مر العصور، وكانت وما زالت الأفكار الخيالية مثل قصص الأبطال الخارقين والآلهة وجني المصباح السحري والمخلوقات الفضائية، هي الورقة الرابحة التي يمتلكها منتجو أفلام هوليوود وأصحاب محطات التلفاز والإعلانات العالمية، لجذب أكبر عدد من المتابعين والجمهور من جميع الفئات. ويَكمُن السر في ذلك بأن الناس بحاجة إلى من يخرجهم مِن حياتهم الرتيبة والمملة إلى عالَم تتحققُ فيه الآمال والرغبات والسعادة بسهولة.

والأمرُ الذي يدعو للقلق أن هذه الأفكار والخرافات قد وصلت إلى أبعدَ من شاشةِ التلفازِ في بيتنا لتجتاح معتقداتنا وطريقة تفكيرنا ونظرتنا للعالم من حولنا. فالثقافة الشائعة بين الناس تعتمد على كثرة الروايات الزائفة التي تخدع السُذَج، والتضليل والاستغفال الذي يتعرض له الأفراد بشكل منظمٍ من قِبَل وسائل الإعلام. والسبب الرئيسي وراء هذه المعضلة هو غياب المنهج العلمي في معالجة الأمور، والذي يقوم على الشك والتدقيق والملاحظة. فالدجل والعلم الزائف يجعلان مِنا ضحايا لتصديق أي شيء دون التفكير في صحته، وذلك لأن هذه الأفكار تجعل العالم من حولنا أكثر تشويقًا وغموضًا، مثل التصديق بخرافة مثلث برمودة أو أن طنين الأذن اليسرى عند الشخص يعني أن أحدًا ما يذكره بالسوء أو أن الرقم 13 هو رقم تشاؤم ويجلب النحس، أو أن الكلب يستطيع شم الخوف لدى الإنسان، أو أن الناظر إلى الساعة عندما تكون بأرقام متماثلة مثل الثامنة وثمان دقائق فإن أحدًا ما يفكر به في تلك اللحظة، أو خُرافة الحاسة السادسة، أو خُرافة التخاطر «التلباثي». فكل هذه الخرافات والمعتقدات الدجلية وغيرها تظل حائلًا دون وصولنا للعلم الصحيح.

والعلم الحقيقي هو طريقة للتفكير ومنهج للحياة، وليس منظومة معرفية مقتصرة فقط على العلماء وطلاب العلم. فنحن إما أن نضع المصاب بفايروس كورونا بالحجر الصحي ونستمر بتعقيم أجسادنا وأدواتنا أو أن نمضي بين الناس متحدثين عن خرافة نظرية المؤامرة من العالم الغربي. فالتخلي عن العلوم يعني التخلي عن الحياة، ففي القديم كان لاكتشاف وجود جراثيم الأمراض واكتشاف أهمية الصحة الشخصية والعامة الأثر الكبير في إنقاذ وإطالة حياة آلاف البشر حول العالم. ومما لا شك فيه أن تطور الحضارات والأمم وتحقيق المساواة الإنسانية وتحسين مستويات المعيشة كلها تعتمد على تطور العلوم والتكنولوجيا في جميع المجالات.

والفرق بين العِلم الزائف والعِلم الحقيقي هو أن الثاني يرينا العالَم كما هو حقًا أما الأول فيرينا العالَم بالكيفية التي نتمنى أن يكون عليها. فالعِلم الزائف بالنسبة لنا مليءٌ بالتشويق والغموض الذي يثير فضولنا واهتمامنا، أما العِلم الحقيقي فنراه جامدًا مُمِلًا يحتاج إلى الكثير من البراهين والإثباتات، ونتائجه لا تكون مرضية في كثيرٍ من الأحيان وتتعارض مع أفكارنا وآمالنا. ونحن عندما نتلقى تعليمًا مدرسيًا هزيلًا وجامدًا، فإننا نرى العالَم بصورة معقدة تجعلنا نتجنب العِلم ونبتعدُ عنه. ومِن الأسباب التي جعلت الدجل والخرافات تنتشر بين الناس هي الأخطار التكنولوجية العديدة التي يتسبب بها العلم وبناء الأسلحة النووية التي تتحارب بها الأمم وإصدار الإشعاعات والتجارب التي يقيمونها على أبناء شعبهم، بالإضافة إلى الصورة النمطية المنقولة للأطفال عنِ العالِمِ المجنون القابع في مختبره يُجري التجارب العلمية للسيطرة على العالم. كل هذه الأسباب تجعل الناس يفقدون الثقة بالعلم ويتفادونه. وقد ذكر كارل ساجان في كتابه «عالم تسكنه الشياطين» أن اعتناق الدجل والخرافات يتناسب طرديًا مع عدم فهم العِلم الحقيقي أو عدم السماع به، «فإذا كنت جاهلًا بالعلوم الحقيقية فستكون بالكاد قادرًا على الوعي بأنك تعتنق الدجل، وأنك ببساطة تفكر كما يفكر البشر من حولك».

على أية حال، لا يمكننا إقصاء العلم من حياتنا بشكل كامل، فجوانبه الإيجابية فاقت بأضعاف الجوانب السلبية المزعومة عنه. ولإنصاف العلم يجب أن نعرف حق المعرفة أن العِلم الحقيقي زاخرٌ بالأعاجيب والصور الإبداعية مقارنة بما تنشره الخرافات عن المخلوقات الفضائية الغريبة أو الجن والشياطين الذين يتحكمون بعالم الإنس أو الصحون الطائرة القادمة من وراء النجوم، فمن يتعمق في عالم البحار، مثلا، سيُدهَش من روعة وغرابة الحيوانات البحرية عديدة الأصناف والأجناس أو عِلم الفطريات أو الحياة الحيوانية البدائية أو حتى الحيوانات البرية بمختلف أنواعها أو علم الفلك والكواكب والمجرات.

ونعود للحديث عن منهج الشك والنقد الذي يقوم عليه العلم. فالعلم ببساطة عبارة عن ممارسة النقد الذاتي المستمر لأفكارنا ومعتقداتنا وحتى المعلومات التي نتلقاها كل يوم على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعية. حتى عندما نقرأ خبرًا معينًا أو نرى صورة ويكون الناشر لهذه المعلومة أو الخبر هو «مصدرٌ موثوق»، يجب علينا ألا نُسَلِمَ بهذا الخبر على أنه الحقيقة. لأنه حتى «المصادر الموثوقة» قد تكون على قدرٍ من الخطأ في كثير من الأحيان. ومن الأهمية بمكان أن يتم التعامل مع المعلومات والأخبار من حولنا بانتقادية عالية حتى لا يتم الخلط بين الأوهام والحقائق وحتى لا ننزلق نحو عالم الخرافة والهراء دون شعور منا. فلا نكون كالذين يصدقون أن حبة البطاطا التي نُقِش عليها كلمة « الله» هي معجزة إلهية يجب الوقوف عندها والإجلال لها، وكأن العالَم ليس مليئًا بأعداد كبيرة من حبات البطاطا، وأنه من العادي أن نعثر على إحدى هذه الحبات وقد وُجدت عليها كلمة تشبه كلمة «الله» على وجه الخصوص.

ويذكر ساجان في كتابه أن كشف الهراء بالعلم يعتمد على تقديم مجموعة كبيرة من التفسيرات والفرضيات الممكنة لأي ظاهرة منتشرة، والبدء في تجريب كل فرضية بالحقائق والأدلة الموجودة بأسلوبٍ موضوعيٍ دون التحيز لفرضية ما على حساب أخرى، والفرضيةُ التي تصمد أمام أدوات الشك والبحث والتمحيص يتم تبنيها مبدئيًا وبحذرٍ شديد. وخلاصة الأمر هنا، أن اتباع منهج الشك هو السبيل الوحيد لحماية عقلنا مما يلاحقه من أوهام وخرافات وأخبار مزيفة وقصص خيالية، لنصل به إلى عتبة النور والحقيقة.

وعلى ذكر الحقيقة، يجب أن نضع بالحسبان أنه ليس بالضرورة أن يوصلنا العلم إلى الحقيقة المطلقة. حيث لا يوجد ما يسمى بالحقيقة المطلقة، وإنما الحقيقة هي «شيءٌ محير ومغاير للحدس ومتغير بتغير الوقت». فما كان يؤمن به الناس في السابق على أنه أمرٌ مطلقٌ، مثل أن الأرض مسطحة أو أن الشمس هي مركز الكون، جاء العلم ليغيره أو يلغيه، «وبذلك تبقى الحقيقة أمرًا مرهونًا بكيفية نظرنا للأشياء والظواهر من حلونا». وعلى الرغم من أن العِلم لا يوصلنا إلى اليقين المطلق، فإنه يعتبر أفضل ما تملكه البشرية لاستكشاف الطبيعة ومحاولة فهم العالم وتحديد أخطائنا البشرية وإصلاحها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد