أهوى أن أسير كالتائه بين أحضان الماضي والتراث، الذي يذكرني بخيوط العصور عبر الأزقة والحجارة القديمة، وما يضرب رأسي باستمرار تلك التفاصيل التي ينطوي عليها التاريخ والزمن.

منذ عبقات الطفولة كنت ألح على وجود تراث قديم في غزة وألتقط طرف الحديث من بعضهم عن جديد مثل كنيسة، مقبرة جار عليها الدهر، أو ربما مسجد عتيق، فأجد نفسي أتحسس هذه الأماكن وأصنع الماضي في مُخيلتي إلى أن بدت لي بلادي أجمل.
كبرت قليلًا وصرت أحاول البحث عن الأماكن التي أجهلها وأستغل أي حلقة نقاش، كنت أناشد أبي أن يأخذنا للتعرف إليها؛ ولكن إجابته المعتادة (هوا في اشي عنا في غزة).

لا أخفيكم سرًّا أن زيارة كل شبر في غزة كانت أقصى أحلامي، لا أدري إن كنت أبالغ في هذا، ولكن ما يراودني السياح من العالم الخارجي الذي لربما يعرفون بلادي أكثر مني، قد أصبحنا في عمر آبائنا ونحن نجهل الكثير من الأروقة هنا في مكان إقامتنا فهذا لا يعقل.

دائمًا ما يتبادر إلى ذهني تساؤلات وإشكالات حول طبيعة الرحلات التي تعقدها المدارس التي لا تتجاوز مدن الألعاب الترفيهية، باستثناء تلك الرحلة التي كانت تشتمل خيوط معالم أثرية وأنا بالصف الأول عندما كنت أمكث في رام الله، هذه هي الرحلة التي بقيت عالقة في ثنايا قلبي، ذهبنا بها إلى أريحا وتل فريك، وأحمد الله أنه كان لي حصة صغيرة جدًّا في زيارة المدن التي حرمتها علينا إسرائيل!

بالصدفة أرسلت لي صديقتي رابطًا لجولة على المعالم الأثرية، بقيت لا أصدق هذا لربما جولة كهذه لم تكُن مُهمة لأحد لكنها جذابة بما يكفي بالنسبة لي، ولحسن الحظ تم قبولي في هذه الجولة النادرة في البلاد، وها نحن ننطلق مع الفريق وكأننا عصافير نستكشف قدرتنا على الطيران لأول مرة!
هنا سأترك لكم بعض التفاصيل التي لم أكن أتوقعها في غزة. كانت البداية هي وصولنا إلى «الكنيسة البيزنطية» بعيون تملؤها السعادة، وبالرغم من أنها لا تبدو كنيسة، فالمُتبقي منها جزء بسيط أنهكته السنين وأكله الزمان تمامًا كصورة الشمس تتضاءل وقت الغروب إلا أن عقلي رسم صورة تلقائية عن المكان، واستطعت أن أسافر عبر الزمن إلى عهد الحضارات، الكنيسة البيزنطية توجد في جباليا شمال القطاع، تم اكتشافها عن طريق الصدفة، يعود بناؤها إلى عام 444م زمن الإمبراطور ثيودورسيوس الثاني، عاصر هذه الكنيسة 24 إمبراطورًا بيزنطيًّا و16 خليفة مُسلمًا، النظام البازلكي كان يسود في بناء الكنائس عند البيزنطيين، رأيت هذا النظام من خلال الأروقة التي تتخلل المكان والأرضيات الفسيفسائية التي تحتوي على أيقونات جميلة ورسومات حية تعبر عن روح العصر وتصحبك لخيال بعيد، الحيوانات منها: الحصان، الأرنب والطاووس، وبعض الفواكه والأدوات المنزلية المنقوشة وكأنها سجادة، فكل رمز منقوش على هذه الأرضيات والتي خسرت كثيرًا من أحجارها يحمل في طياته حكايات وأساطير، حيث كانت هذه الأرضيات مغطاة بالرمال ثم اتضح لي أن السبب هو حمايتها من أشعة الشمس.

لطالما كل ناحية في هذا المكان تركت بصمة، لا أدري كيف كان شعوري حينها، لا علينا دعونا ننتقل لمحطة أخرى وهي «تل أم عامر» أو «القديس هيلاريون»، أحسست بشيء يشدني إليها، رائحة الحضارة القديمة من خلال الحجارة الصفراء البارزة المُنغمسة بنداوة الطين، وكثبان الرمال الصخرية المُنتشرة هنا وهناك، كان جفاف الصيف يظهر على المكان، التقينا بالمسؤولين هناك فهم يمثلون الوجه الأخضر للمكان من خلال قبعات القش التي يرتدونها، ولحسن الحظ كانوا يكرمون الزوار بمثل هذه القبعات، جميعنا أصبحنا نتسابق لارتدائها، ومن ثم انتقلنا باصطحاب المرشد السياحي وآخرين للتعرف إلى المكان، واتضح لي أنه مكان للحج وبعض العبادات المسيحية، في القرن الرابع بلغت مساحته 250 مترًا ومع الإقبال الشديد جرى توسيعه حتى بلغ 750 مترًا في القرن الخامس حتى وصلت مساحته إلى 2دونم، كان يوجد فيه أفضل ثامن حمام في العالم، تركنا لنا أثرًا هناك قبل تحركنا إلى المحطة الأخرى من خلال حملة تطوعية في تنظيف الأعشاب التي تقتحم الأحجار بمناسبة «يوم الشباب العالمي».

والآن سنتحدث عن «مقام الخضر» الموجود في دير البلح، ما أذهلني لحظة وصولنا هو عراقة القباب والجدران التي جعَّدتها السنين وشققتها، استخدم هذا المكان في ممارسات دينية مختلفة بوصفه مُصلى ومكانًا تقدم فيه النذور والذبح، وزاوية يوجد بها مطبخ الخضر أيضًا، الدهشة الممزوجة بالفضول تسيطر على الوجوه مثل لحن قادم من أعماق الوتر، كان بعضنا يتسلل عبر الدرج ويتخلل في الممرات، والبعض الآخر يبحلق بين السَّقف الذي تحسبه رمادًا أخمدت ناره السنين، حيث تتناسق جمالية المكان ورونقه يزيد من هيامك وشغفك، لا سيما بعد تحويله إلى مكتبة تستهدف الأطفال بعد استجابة اليونسكو على اقتراح مجموعة من الشباب، ومن ثم افتتاح المكتبة بشكل رسمي في يناير من عام 2017م، حيث أصبحت المكتبة تعج بنا، نعم ثمة تفاصيل تدعوك للبقاء في المكان.
وأخيرًا التعب المصحوب بالدهشة اعترى الفريق وانتهت الجولة في مطعم فريد من نوعه يسمَّى «مطعم العاصمة»، يغلب عليه طابع البساطة المنغمر بالثقافة من خلال الصور المعلقة لبعض الشخصيات المُؤثرة، أشجار النخل في أعناقها مُتجهة نحو السماء شتلات الزهور المتدلية، زقزقات العصافير المكنونة في كنف الأقفاص المنتشرة هنا وهناك.

ربما كانت نقلة جيدة للتعرف إلى الأصدقاء هنا، وأتيحت لنا فرصة المشاركة في بعض النقاشات المطروحة، وبعض النصائح والتوعيات المختلفة من قبل الأعضاء، وترك كل منا رسالة مُقدمة للأجيال والشباب عبر التسجيل الصوتي، وما أدهشني أكثر هو لقاء واحدة من التخصص نفسه الذي كنت مقبلة عليه، كلماتها ترن في أذني وأعطتني جرعة من الثقة أكثر في اختياري. فاختيار التخصص كما تعلمون يكاد يملأ فترة التخبط لدى الطالب المقبل إلى الجامعة.
في نهاية المطاف أصبحت تتصاعد صيحات الجوع على الجميع استعدادًا بذلك لتناول وجبة الغذاء، وأختتم بالعودة إلى البيت بحالة من الإحساس الذي لا يقبل التّفسير.

قد عاد معي حُب بلادي من جديد، التي تتميز بالطابع الأصيل وبات من الواجب إحياؤها والحفاظ عليها وهذا كله يجعل الحروف تقف مُعجبة بجمال بلادي وعاجزة عن الكلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد