في التاسع من ديسمبر (كانون أول) 2020 الجاري مات د.نبيل فاروق بعد حياة استمرت 65 عامًا إلا شهورًا قليلة.

هناك جيل كامل – أنا منه- في مصر والأقطار العربية عرف نبيل فاروق من خلال سلسلة (رجل المستحيل) و(ملف المستقبل) وهي روايات صغيرة (جيب) سعرها منخفض بحيث يمكن لأي فتى في ذلك العصر اقتناءها؛ حيث كان سعر النسخة بمعدل جنيه مصري وعندنا في فلسطين حين كانت تصل النسخة إلى مكتباتنا فالسعر أعلى ولكنه يظل معقولاً ويمكن لطالب المدرسة بشيء من توفير بسيط أو إذا طلب من أهله أن يشتريها، وقد نالت تلكم الروايات الإعجاب بل العشق في زمانها.

وأتذكر كيف كنّا نقرأ الرواية أكثر من مرة أحيانًا ونحفظ عبارات منها، مع حركات قتالية نؤديها تقليدًا لبطل الرواية (أدهم صبري) وأزيدكم بأن هناك من حمل اسم (أدهم) لأن أباه أو أمه أو كلاهما أعجب بالشخصية؛ والشخصية الروائية كما نعرف تقود إلى تقدير صانعها وبانيها أي الكاتب (نبيل فاروق) الذي التزم بالتصدير شبه الثابت على غلاف السلسلة أي التشويق والرعب والغموض والإثارة.

روايات رجل المستحيل جذبت قطاعًا واسعًا من الفتية والشباب ذكورًا وإناثًا إلى علاقة دافئة مع عالم النص المكتوب، في وقت كان فيه انتشار أجهزة التلفزة وشيوع التلفزيون الملوّن وأجهزة الفيديو آخذ بالتصاعد الطاغي على المرقومات، وهي مكتوبة بلغة عربية لا بالمصرية الدارجة ولعل هذا هو فضلها البارز الباقي الأول على ذلك الجيل.

ومن خلال رف مخصص لروايات الجيب المصرية تعرفت على سلسلة (ما وراء الطبيعة) لأحمد خالد توفيق وبطلها (د.رفعت اسماعيل) فجذبتني أكثر هي وكاتبها، وستمضي أعوامٌ طويلة قبل أن أعرف أكثر عن سيرة الكاتب الذاتية، وأعرف أن نبيل فاروق هو من أدخله (رسميًا) إلى فضاء الكتابة وإلى (المؤسسة العربية الحديثة) التي كانت تصدر هذه الروايات.

لقد كنت والعديد من أقراني مع الإعجاب بالروايات البوليسية عن (أدهم صبري) لا تخلو تعليقاتنا من حسّ نقدي فيه قدر من السخرية.

فجزء كبير من الأعداد كانت تتحدث عن صراع بين المخابرات المصرية والموساد الصهيوني في وقت كنّا نرى تبادل سفراء وزيارات مسئولين صهاينة من (تل أبيب) إلى القاهرة وبالعكس.

ولكن هنا ربما يكون الفضل الثاني الأبرز ولعله بقي حتى الآن لتلك الروايات؛ وهي أن هذا (السلام) الناجم عن اتفاقيات (كامب ديفيد) ليس هو حقيقة العلاقة بين الطرفين وقد نوّهت بعض الروايات إلى هذه الجزئية، وبالتالي فإن الجيل الذي تشبع بهذه الروايات ظل ينظر إلى إسرائيل على أنها عدوّ يتآمر عليها ويسعى لنهب آثارها وثرواتها، وقتل علمائها وضباطها وتخريب علاقاتها الدولية والإقليمية.

والروايات مسكونة بفكرة تفوّق الرجل أو الفرد لا تشاركية المؤسسة، مع أن أدهم كان يعمل مع زميلته (منى توفيق) وزميله (قدري) خبير التزوير، ولكن كان أدهم هو كما يقال (الكل في الكل) عمليا بميزاته الأسطورية التي ربما داعبت خيال القارئ وتمنى نفسه مثل هذا الضابط الأسطورة الذي يدافع عن الحق ويخوض الصراعات في كل أرجاء المعمورة مع المجرمين بشتى أطيافهم، من عملاء مخابرات معادية أو منافسة أو رجال مافيا وعصابات وغيرهم، والنتيجة العميقة ترسخ مفهوم الإدارة والعمل الفردي، كون القائد يعلم كل شيء وله قدرات مميزة بل خارقة، مع أن أدهم كان غالبًا يتلقى تعليمات المهمات من رئيس المخابرات أو وزير الدفاع ولكن هذا لا يلغي فكرة التشجيع على الفردانية شبه المطلقة.

أدهم صبري كان وسيمًا في خلقته، ويتقن نصف دزينة من اللغات الحيّة إتقانًا تامًا، ويجيد كل فنون القتال كالكاراتيه والجودو وغيرهما ويستطيع قيادة السيارات بكافة أنواعها إضافة إلى المراكب البحرية والطائرات ويتقن استخدام جميع أنواع الأسلحة النارية من المسدسات إلى الصواريخ وهو أيضًا يصلي الأوقات الخمس بخشوعٍ تام… وحتى عندما فقد الذاكرة ظلَّ محافظاً على أداء هذه الفريضة… إنه رجل المستحيل!

وهو أيضًا لا يشرب الخمر بلا لا يدخن السجائر، ولم تستطع أية حسناء من المخابرات الأخرى أو المافيا أن تغويه، وكانت (منى) حبه الوحيد، وهذا أيضًا من معالم إرساء وإدخال فكرة عمل الرجل مع المرأة حتى في مجال الخطر، مع أن أدهم بداية لم يهضم وجود (منى) معه ولكن لاحقًا -كما في الأفلام- تقبّل وجودها وصارت أساسية في حياته وعمله.

وطبعًا لن نغفل عامل الطبقية وإن كان مستورًا في الروايات؛ فأدهم والده ضابط أيضًا وشقيقه طبيب يقيم في السويد ويسكن في حي المهندسين الراقي بمقياس زمن إصدار الروايات على الأقل.

وتبين وفق اعتراف نبيل فاروق بعد خلع مبارك أن رواياته كانت خاضعة إلى التوجيه المباشر؛ ولربما خطر في بال (المعلم الكبير) أن يغرس فكرة إمكانية (التعايش) مع الصهاينة حين تزوج أدهم من امرأة الموساد التي خاض معها صراعا عنيفا سعت فيه إلى قتله مرات عدة (سونيا جراهام) وأنجب منها ولدًا وهو فاقد الذاكرة، ولكنها عادت إليه ودخلت مصر (هذا من نتاج كامب ديفيد طبعًا) وجلست معه ومع زميلته منى من بعد عودة الذاكرة إليه، وقرر ترك منى ومصر، والعيش مع سونيا من جديد، ولكن كان (المشغل) كما يبدو يجسّ نبض القرّاء الذين كانوا يتفاعلون بالرسائل وغيرها،ليعود (أدهم) من جديد إلى مقاتل شرس ضد الموساد.

وعودة إلى فكرة الشخصية الفردية الطاغية، فإن إيجاد بديل لأدهم كان أيضًا ضابط فرد (حسام حمدي) وحتى هذا قتل لاحقًا دفاعًا عن أدهم!

كما رسخت الروايات مفهوم الوطنية الشوفيني وصدّرته إلى الشباب المصري والعربي؛ فحتى حين كان هناك تعاون بين أجهزة مخابرات عربية أخرى فهو بمفهوم تبعية –ولو مستترة- لتلك الأجهزة للجهاز المصري، ومع حبّ الشباب العربي للروايات، ولكنها تدفع باتجاه تعميق تمركز الفرد المصري حول ذاته منبتّا عن العرب!

أكتفي بهذا القدر من الاستعراض لروايات اجتاحت كيان جيل كامل مصريًا وعربيًا، لدرجة أن نبيل فاروق وإن لم يكن من الكتاب والروائيين المشهورين أو العمالقة (عاصر نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس مثلاً) ولكنه كان ذا تأثير واسع خاصة على الجيل الذي اكتهل حاليًا.

والمثير للغضب كان شعور هذا الجيل بأنه قد تم خداعه؛ فلا يوجد لا رجل مستحيل ولا ملف مستقبل، وجهاز المخابرات كان مخصصًا لحماية النظام البوليسي ويتعاون مع أجهزة المخابرات الأخرى بما فيها الإسرائيلية ضد ما يسمى (الإرهاب) وأفاق النّاس ليجدوا أنفسهم تحت بساطير العسكر؛ ونبيل فاروق كان يلعب دور التخدير للجيل الشاب وبجدارة كي يظلوا في وهم التفوق وأن قادة البلاد -عموما كان تأييد نظام مبارك واضحا في النصوص- أدرى بما يفعلون ويستحقون الثقة المطلقة.

ومع ذلك أعيد ما قلته أن السلسلة أبقت قطاعًا كبيرًا من الشباب والفتيان على علاقة محبة مع الكتاب الورقي ولو كان رواية، وحافظت على شعلة التحفز والعداء مع الصهاينة… فضلان للكاتب ينبغي أن نسجلهما.

وصدمة أخرى لا تقل عن السابقة هي فيما يتعلق بالكاتب نفسه؛ فإذا كان نبيل فاروق ذو فضل على (العرّاب) أحمد خالد توفيق، مثلما صرّح الأخير، فإن الأخير لم يؤيد الطغيان ورفض مخرجات الانقلاب العسكري خاصة جرائم ومجازر رابعة والنهضة، وتقوقع الطبقة الحاكمة في العاصمة الإدارية الجديدة.

لكن نبيل فاروق وهو أيضا في الأساس طبيب من طنطا -وقد ترك الطب وتفرغ للكتابة- مثل أحمد الذي زاوج بين الطب والكتابة (مع أنه ظل يمدحه) انحاز إلى الطغيان والاستبداد، أي كان نبيل فاروق بمعنى أو بآخر من كتبة السلطة على عكس (العرّاب).

كيف (لا) وهو الذي ارتبط بإبراهيم عيسى صاحب المواقف المتقلبة والتي انتهت به إلى تأييد القمع وقتل المتظاهرين، طبعًا عدا عن تهجمه الشديد على السنّة المطهرة، هذا في الوقت الذي يطبّل فيه بأسلوب مبتذل للسيسي، وإبراهيم عيسى ونبيل فاروق ينهلان من نفس المصب العلماني الذي سيطر على فضاء الثقافة والفنون والآداب والإعلام في مصر منذ عقود، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إجمالا رحيل نبيل فاروق يذكرنا بافتقاد جزء جديد من قوة وتأثير مصر؛ فمصر أمدّت الأمة بالعلماء والمشايخ الأزهريين، وعلّمت الأطباء والمهندسين والمحامين، وكانت بؤرة الإعلام المتوهجة عربيا، وصولا إلى هذا النوع من الروايات الذي كان يقرؤه ابن بلدة في أقاصي اليمن أو المغرب العربي مثل شقيقه في العروبة والإسلام في قرية من قرى الصعيد أو الدلتا، وهذا نوع من الوحدة العاطفية والشعورية صنعته مصر في ظل تعذّر الوحدة السياسية، لينقلب الحال إلى ما يشعرنا بالحزن والتأسي على ما آلت إليه أوضاع مصر وحجم تأثيرها أو (قوتها الناعمة) ولا يسعنا سوى أن نرجو الله تعالى أن تعود مصر كما كانت أي كنانة الأمة ومخزن ثريّ لعلومها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد