الكورنيش بالإسكندرية

ما الذي ممكن أن يحدث إذا قفز أحدهم من أتوبيس؟

هل يصطدم بالرصيف، هل سيصاب ببعض الأذى، فاقدًا توازنه، أو متدحرجًا على الأسفلت.*
هل أجبروه على ذلك؟

*هذا الخط ليس سوى لإضفاء تأثير درامي، أتمنى أن تكون قد تأثرت.

حسنًا، إجابة خاطئة!

فالحقيقة أن ما يحدث هو: لا شيء!

 

السؤال ينقصه بعض الدقة العلمية، فلنطرحه مرة أخرى:

ماذا يحدث إذا قفز أحدهم من أتوبيس “متحرك”؟

حسنًا، في هذه الحالة نحتاج لاستعارة نيوتن ليقول لنا قوانينه في الحركة، ويشرح لنا علمه النفيس في القفز من الأتوبيس.

للكثير منا ركوب المواصلات العامة يعد طقسًا يوميًّا متكررًا، فمشهد أحدهم يهرع للحاق بالأتوبيس أو يندفع خارجًا منه ليس بغير المألوف.

 

وحيث إن القفز من أو إلى أتوبيس متحرك من الخطورة بحيث يمكن للمرء أن يفقد حياته حسبما تقول قوانين الفيزياء.

 

إلا أن الشعب المصري معروف بجبروته، وعلى ما يبدو أن تلك القوانين تفقد تأثيرها في بلد شديدة الازدحام، القاهرة نموذجًا.

لكن هل يمكننا إقناع المواطن العادي بأن القفز من الأتوبيس مضر بالصحة وقد يسبب الوفاة، أو أن نيوتن طيب الله ثراه يهمس في أذنك أن “الجسم يظل على حالته الحركية (إما السكون التام أو الحركة في خط مستقيم بسرعة ثابتة) ما لم تؤثر عليه قوة تغيره من هذه الحالة”، أو إنه “إذا أثرت قوة أو مجموعة قوى على جسم ما فإنها تكسبه تسارعًا يتناسب مع محصلة القوى المؤثرة، ومعامل التناسب هو كتلة القصور الذاتي للجسم”، ثم تشرع في تفسير كيف أن كتلته تتأثر بسرعة الأتوبيس، وكيف أن قوى الاحتكاك اللعينة تطارده أينما ذهب كالدين الذي عليه لزميله في العمل.

لن يسعني مساعدتك إن اتخذت هذا الأسلوب، الذي قد يؤدي بك إلى أن يزج بك المواطن فتفاجأ بأنك تحتضن أتوبيسًا قادمًا في اتجاهك أنت تحديدًا.

 

فقط لأنه شعر بامتنانه لك (المواطن لا الأتوبيس) فأراد أن يعلمك قانون نيوتن الثالث. كان عليك أن تتوقع رد الفعل ذلك ربما لو أكملت مذاكرة الفصل الثاني من قوانين الحركة في المرحلة الإعدادية لتذكرت أن “لكل قوة فعل قوة رد فعل، مساوية لها في المقدار ومضادة لها في الاتجاه”.

مقال1
العالم إسحاق نيوتن

 

إذن ما العمل؟

 

إذا كنا لن نستطيع أن نأخذ بيد المواطن لنرتقي سلم العلم، فعلى ما يبدو أن العلم سيضطر أن ينزل إلى المواطن ليلقنه درسًا، ثم يعود إلى برجه العاجي يستمتع بتقشير بعض اللب باصقًا إياه علينا نحن الأوغاد الذين يظنون أنهم من الممكن أن يلوون عنق قوانين الفيزياء.

على الأقل عزيزي المواطن إن كنت مصرًا على أن تقفز من الحافلة؛ فلتعرف الطريقة العلمية الصحيحة لذلك، من فضلك.
وأنتِ عزيزتي المرأة ابقي معنا فبعد قليل سنخبرك سرًّا سيساعدك في خسارة الوزن.

حافظ على مؤخرتك
وذلك بناء على قانون نيوتن الأول الذي ذكرناه آنفًا، سأذكرك به مرة أخرى وأرجو ألا تزج بي أمام حافلة ما، أو إن كان عليك فعل ذلك فلتكن BMW إذن.

أتدري هذا الشعور عندما تكون راكبًا في آخر الحافلة ثم تُكبس المكابح فجأة؛ فتجد نفسك في حضن السائق، حدث ذلك لأن نيوتن يقول لك أن الجسم الساكن يميل إلى السكون والمتحرك يميل إلى الحركة.
بمعنى أنه إن كنت واقفًا أو جالسًا داخل حافلة تتحرك بسرعة 60 كيلو في الساعة، فأنت أيضًا تتحرك بنفس السرعة!
ولذلك عندما تحاول اللحاق ببائع الفاكهة المتجول هذا، أو بصرت صديقك الذي يدين لك بنقود ويتهرب منك؛ فآثرت أن تندفع خارجًا فتفاجأ أنك قد صرت والأرض كتلة واحدة. ربما يرمقك المارون متعجبين في أذهانهم: حسنًا إنها طريقة غريبة لرؤية السماء، أو إن كان يريد الاتحاد مع الطبيعة أليست هناك طريقة لا تتضمن أن يتأثر البنطال بأي شكل من الأشكال.

 

ما يفعله جسدك هو أنه يحاول أن يقول لك: لا بأس إن كنت تريد النزول، لكن لا تحطم مؤخرتي من فضلك.

 

يوضح نموذج مهد أو بندول نيوتن Newtons Cradle والذي يشرح مفاهيم الحفاظ على الطاقة والعزم والاحتكاك

وما حدث هو أن جسدك لديه ميل لمقاومة التغييرات في الحركة، وهكذا عندما ضغط السائق على مكابح الحافلة فجأة، تحرك نصفك العلوي للأمام، فهذا لأن جسمك كان يحاول الحفاظ على سرعته، وعندما تقفز من الحافلة يريد جسدك مواصلة التحرك بنفس السرعة، ولكن ما إن تضع قدمك على الأرض، يحدث لجسدك انفصام في الحركة.

حيث إن نصف الجسم السفلي غير رأيه وفقد سرعته وقرر يحافظ على وضع السكون. نتيجة لأن الاحتكاك المتولد يتعارض مع الحركة، بفعل القصور الذاتي “اللي هيفضل يطاردك زي قسط الجمعية”، ويحاول حماية نصفه السفلي، في حين أن نصفك العلوي يريد استمرار الحركة، وحيث إن هذه مشكلة عائلية يبدو أننا لن نستطيع التفاهم مع النصفين لذلك تحاول الفيزياء حلها، ولا يمكنك لوم قوانين الفيزياء في رغبتها في حماية شخص يريد الحفاظ على… حسنًا أظن أنك فهمت هذه النقطة.

 

عزيزتي المواطنة أنتِ طلقة!

هناك حادثة حقيقية وقعت خلال سباق سيارات جرى في عام 1924 بين مدينتين سوفيتيتين، وإمعانًا من فلاحي القرى القوقازية بالترحيب بالسيارات المارة، قاموا بقذف المتسابقين بالبطيخ والشمام والتفاح! ولكن هذا الترحيب الحار تسبب في إصابة المتسابقين بجروح خطيرة، كما تشوهت أجسام السيارات وتحطمت.

ولكن كيف للفاكهة أن تحدث هذا المقدار من الدمار؟

هنا يضع علم الفيزياء ساقًا فوق الأخرى واضعًا الغليون في فمه، مفسرًا أن ما حدث يُعزى إلى أن السرعة التي قُذفت بها الفاكهة مضافًا إليها سرعة السيارة المتحركة حولت الفاكهة إلى قذيفة مدمرة!

إليك قصة أخرى

يشير ياكوف بيريلمان في كتابه “الفيزياء المسلية” إلى تكرر حوادث كثيرة لتصادم طائرات مع الطيور الجارحة، والذي أدى إلى تعطل هذه الطيارات بل وسقوطها وتحطيمها. وهنا ينفث علم الفيزياء غليونه قائلًا: نتيجة لسرعة الطائرة التي تتراوح ما بين 300 و500 كيلو متر في الساعة، يمكن لجسم الطائر أن يخترق جسم الطائرة ويحطم زجاجها، ويؤدي إلى توقف المحرك عن العمل إذا أصابه.

مقال2

تحطم الزجاج الأمامي لطائرة من طراز سيكورسكي UH-60 نتيجة لاصطدام طائر

 

هنا يبدأ المواطن في التململ قائلًا: حسنًا، وما شأني أنا؟

 

كما قلنا فعندما تقل راكبًا حافلة بسرعة تقارب 60 كيلو فإنه يكتسب نفس السرعة، ويحاول الحفاظ عليها. ولذلك عندما يقفز مكتسبًا هذه السرعة فإنه يشكل خطرًا لمن يصادفه حظه المتعثر، ويصطدم به بسبب سرعته الكبيرة.
وتزداد احتمالية فقدان الراكب لـ”بريستيجه” حينما يقفز من الحافلة ليواجه جسمًا متحركًا بسرعة كبيرة كسيارة أو دراجة نارية أو ربما رجل يعدو. فهنا تصبح السرعتان مدمرتين لكليهما، وهنا يقول المواطن معك متأففًا وهو يقرأ صفحة الرياضة: يحاول الحفاظ على مؤخرته، أقصد سرعته.

 

احترس من فضلك السيارة ترجع إلى الخلف!

 

ولذلك يقوم البعض عند القفز بمحاولة الجري بضعة خطوات في اتجاه سير الحافلة، أما إذا قفز إلى عكس اتجاهها فتزيد احتمالية فقدان توازنه بشكل كبير.

وحيث إن العلاقة بين السرعة وكتلة الجسم عكسية، فكتلة الراكب عند سرعة ما تقل عن كتلته في وضع السكون، بكلمات أخرى: الراكب يفقد جزءًا من وزنه عند الركوب ويكتسبه مرة أخرى عند نزوله.

 

ولكن ماذا لو كان الشخص راكبًا فوق الحافلة، أو متأرجحًا على بابها، بنفس منطق سرعة الراكب تساوي سرعة الحافلة، يكتسب الهواء الساكن المحيط به داخل الحافلة نفس السرعة، ولكن في الحالة الأولى يميل الهواء إلى مقاومة الراكب ومحاولة دفعه إلى الوراء قليلًا، ولذلك عندما يقفز الراكب في هذه الحالة من الحكمة أن يسير للخلف عكس اتجاه الحافلة.

 

أخيرًا إن لم تستطع إقناع المواطن بعدم القفز – هذا إن كان ما زال معك ولم ينتحر بالهاراكيري- فأخبره أنه على الأقل في المرة القادمة عندما يقرر القفز من حافلة تسير بسرعة كبيرة، أن يلتزم بما تقوله له الفيزياء كي يحافظ على…، “بريستيجه”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد