عقل فذّ وموهبة متجددة نبعت من أرض مصر وسقت العالم حكايات وقصص عابرة للأجيال ومتخطية لحدود البلاد وموجَّهة للناس كافّة، زيّنها عشقه وولعه بالأدب واللغة، ورحابة خياله، وارتباطه العاطفي بحارات وأزقّة طالما مشى فيها، واستطعات عيناه التقاط أسرارها المستترة خلف وجوه ساكنيها، وتأمّلَ في أحوال عباد الله وطبائعهم وأفعالهم المتدفقة حوله في غزارة.

«نجيب محفوظ» من شاب يطوف برواياته بين المكتبات ويساوم البائعين في القبول ببيعها، إلى أديب عالمي ينال أسمى جائزة في الأدب، فكيف تبدّل الأمر، وتغيّر الحال!

«نجيب محفوظ» الطّفل

جاءت ولادته المتعسّرة في عام 1911، ظن بها الظانّون الفشل، لكن يشاء الله أن تتم الولادة ويُكتب من المعمّرين على يد الطبيب نجيب باشا محفوظ، فجاء المولود وسُمّي باسمه تقديرًا لفضله.

عاش الطفل نجيب حياته الأولى بحي «الجمّالية» ثم انتقل للعيش بـ«العبّاسية»، وقد شبَّ داخله حبٌّ للقصِّ وسماع الحكايات، فكان يقف خارج المقاهي يسترق السمع ليُشبع داخله لذّة يستقيها من أحاديث البشر.

ثم وجد ضالته في كتاب كان يحمله صديقٌ له بالابتدائية، وكانت رواية بوليسية استعارها منه فأُغرم بها وواظب على عادته هذه في القراءة حتّى شب عن الطوق واتجه إلى قراءة المنفلوطي، فأخذ الأمر طريقه الجد ولم يعد تسلية مؤقتة وأصبح مأخوذًا بأسلوبه الأدبي ولغته البلاغيّة، ثم قرأ لطه حسين والعقّاد وحسين هيكل واتّجه إلى الأدب العالمي الروسي والفرنسي؛ يُحاول أن يُشبع نهمه المتنامي، ويرقب البناء اللغوي والأسلوب السردي للرواية العالمية حيث لم يجد مرتكزًا للرواية العربيّة يستند إليه آنذاك.

الفلسفة تُداعب فكره

وقد أثارت مقالات الفكر والفلسفة عقله وشُغِف بها أيّما شغف، فتحركت داخله أسئلة ظنّ أن دراسته للفلسفة ستوجد لها إجابات، فترك القسم العلمي واتجه إلى الأدبيّ، بالرغم من نبوغه في العلوم والرياضيّات، والتحق بعدها بقسم الفلسفة كليّة الآداب، باحثّا عن إجابة لسؤاله: «ما هو أصل الوجود؟»

وقد تعانق داخله حب الفلسفة والأدب، فكان يكتب المقالات الفلسفيّة ثم يتصيّد المجلّات فيرسلها بالبريد، وتُنشر له دون أجر.

 

بذرة الكتابة

عندما كان في العاشرة من عمره، كان كلما انتهى من قراءة قصة بوليسيّة يكتبها بأسلوبه هو في كشكول مُسطَّر على غلافه عبارة «تأليف نجيب محفوظ!» بعدها استقى قصص من حياته وبدأ يسردها على ورقه، ثم جاد عليه خياله ونسج له الأحداث فبدأ التأليف، وحينما اطّلع «سلامة موسى» على كتاباته قال له: «أنت موهوب، لكن قصصك هذه لا تصلح» لكنّها باستمرار المثابرة والفعل، صَلُحت.

وبالإضافة إلى مقالاته الفلسفية التي كان يكتبها بصورة شبه منتظمة، كان يستريح بكتابة قصة قصيرة، استمرّ هذا إلى أن طغى حب الأدب على كل شيء فزادت قصصه وقلت مقالاته إلى أن انعدمت تمامًا  واتّجه نحو الكتابة عن تاريخ مصر القديمة.

شغفه بتاريخ مصر القديم

وقد يظن النّاس أن أول ما نُشر له كانت الروايات، لكن الحقيقة أن أول ما نُشر كانت ترجمة لكتاب إنجليزي بعنوان «مصر القديمة» عام 1932 وقد عمل عليه وهو طالب بالثانويّة ليُنشر على هيئة مقالات بمجلة.

وكان هذا العمل مدفوع بحبه للتاريخ المصري القديم، حيث بذرت أمه هذه البذرة فيه عندما كانت تأخذه معها إلى الأهرام والمتاحف وهو طفل صغير، وقد عني بالبذرة وسقاها بالاستزادة من كتب التاريخ التي كان يبتاعها من دار الكتب، فنمت وصيّرها شجرة مورقة وكادت قراءاته للتاريخ تقترب من دراسة متخصص، بالإضافة إلى مواظبته على حضور محاضرات قسم الآثار. وكان يحتفظ بدفتر دوّن فيه أربعين فكرة تصلح كرواية كان منبعها مصر القديمة.

لذلك لا نتعجّب إن وجدنا رواياته الثلاث الأولى عن مصر القديمة «عبث الأقدار» 1939، «رادوبيس» 1943، «كفاح طيبة» 1944، وبعدهم رواية «العائش في الحقيقة» 1985، فقد تربّى داخله هذا الاهتمام وولّد داخله رغبة في تصوير الحياة هناك بعد أن كوّن صورة شبه مكتملة عن حياتهم الاجتماعيّة والدينيّة واهتماماتهم.

ولادة أوّل رواية له

وفي عام 1939 طُبعت له أولى رواياته «عبث الأقدار» وحصل من الناشر على 500 نسخة دون أن يتقاضى أجرًا، فوضعهم على عربة حنطور وطاف بهم بين أصحاب المكتبات يعرض عليهم شراء رواياته.

إلى أن قبل أحد الباعة الشراء بعد أن رأف بحاله، على أن يبيع النسخة بقرش صاغ واحد يأخذ محفوظ تعريفة ويأخذ البائع تعريفة!

فقبل محفوظ العرض وكان يمر عليه يوميًّا ليطمئن على حالة الشراء، لكن الكتب ظلت على حالتها الأولى ولم تُشتر إلى أن يئس البائع منها فأودعها المخزن.

طريقه إلى الشهرة

أدرج محفوظ يأسه في الأكفان؛ فأنتج بعدها روايتين تاريخيتين أيضًا ثم التفت إلى الواقع يستقي منه الأحداث واستمرَّ في الكتابة لا لشيء سوى شغفه بها حتى تنامت شهرته برواية «زقاق المدق» وتهامس الناس عن كاتب مبدع ينتج الرواية ويبرع في الوصف والحكاية، حتى علا همسهم وأُذيع الخبر، فلاكت الألسن ما يتطرق إليه في رواياته، وتحوّلت الأمور إلى غير ما عهد.

جُمعت بعدها قصصه القصيرة التي نُشرت أثناء فترة دراسته بالمجلّات، وطُبعت له مجموعته القصصية «همس الجنون»، لكنّها سُجّلت بتاريخ نشر 1939.

أما كاتبنا، فكان يراقب عباد الله ويحاول تصنيفهم وفهم أبعادهم الشخصيّة ثم يستعين بموهبته في السرد وسلاسة لغته، فتتتحول الشخصيّة إلى كلمات على ورق.

ظل يرقب النّاس بعينين ثاقبتين تستشفّان ما أخفته النفوس واضمرته الصدور، وبأذنين تلتقطان أبسط الأحاديث وأعقدها، حتّى عجّت رأسه بالحكايات والأفكار وأتت ساعة المخاض فوُلدت كلمات يُسمع فيها نبض حياة

«الثلاثيّة» واسطة العقد

كانت فكرة رواية تتناول أجيالًا عديدة تُداعب فكره وتُشغل باله فشرع فيها، ورُغم ما عاناه خلال كتابتها إلا أنه كان يأنس بها ويستوحش ما دونها، فاستمرّ في كتابتها أربع سنوات واضطرّه عدد الشخصيات الذي قارب الخمسين، إلى عمل أرشيف لكل منها يضم الصفات الشكلية والسمات الشخصية، وقد جعل لـ90% من شخصياتها جذورًا واقعيّة.

وظنَّ أن عملًا كهذا فاق الألف صفحة سوف يُكلل بالاعتزاز والتقدير، لكن ما حدث هو أن لفّه حزن عميق عندما قدّمها إلى «سعيد السحّار» لنشرها كرواية واحدة، فهتف متفاجئًا من حجمها: «إيه الداهية دي!»

وتعذّر نشرها، فسببت له صدمة حادّة، وتنامى أنين محفوظ إلى آذان «يوسف السباعي» فقام بتجزئتها ونشرها.

وقد حققت نجاحًا باهرًا دللّ على خصوبة خياله وتأجج موهبته.

سُدّة الكتابة

وكأنما استنفدت الثلاثيّة طاقاته جميعًا، فخوى عقله من الأفكار وتحوّل إلى أرض جدباء لا تصلح لإنتاج أو حرث، وتعسّرت ولادة الكلمات، ولم يطاوعه قلمه وهدأت ثورته، فضاق بالأمر وهجر الكتابة وهو راغب فيها، بعد أن هجرته.

اتجه خلال سنواته العجاف هذه إلى السينما، بعد تيقّنه من رقدته الكتابيّة وطول مكثها، فسجّل نفسه ككاتب سيناريو وعمل فيها لأربع سنوات.

وعلى الرغم ممّا كانت تدره عليه السينما من مكاسب ماديّة فاقت بكثير الكتابة، إلا أن حنينه للقلم ظل يقض مضجعه، حتى عاد القلم طيعًا في يديه دون سابق إشارة، تمامًا كما رحل عنه.

استمرار العطاء الأدبي

نشر بعدها نجيب روايته الشهيرة «أولاد حارتنا» والتي كانت وما زالت مثارًا للجدل، ومُنعت من النشر في مصر من قِبل الأزهر ولم يُزل حظرها سوى من سنوات قلائل.

واستمرّ إنتاجه الأدبيّ يُبرهن على توهّج عقله وموهبته الفريدة ولم يحُل تقدّم سنّه بينه وبين قلمه، ولم ينضب نبع أفكاره حتّى كتب روايته الأخيرة «قشتمر» 1988 وطفر بعدها شيء جديد لم يكن في الحسبان.

أخيرًا قررّ العالم تكريم الروائي السبعينيّ على مسيرة عطائه الأدبي والتي قاربت الخمسين رواية وثلاثمائة وخمسين قصّة وخمس مسرحيّات، فجاءت جائزة نوبل له كأول روائي عربي مسلم يحصل عليها.

لذا نجد من حديثنا أن «نجيب محفوظ» لم يكن ليطفر من فراغ، وإنما قطف ثماره اليانعة بعد أن أعيته سقياها وأنهكه العناية بها واستلذّ عذابها، فاستحق بجدارة تخليد الزّمان له وتسطير اسمه بأحرف من ذهب بين دفتي تاريخ الإنسانيّة، لتبقى راية أعماله خفّاقة باختلاف الزّمان وتبدّل ساكنيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد