كعادة أية أسرة إسلامية نشأت وبيني وبين نجيب محفوظ وغيره من الكتاب والأدباء غير الإسلاميين أسوار عالية من الكره والمقت والتعصب. ومع نشوب ثورات الربيع العربي وحدوث تلك الزلزلة الكبيرة في الكيان الإسلامي فكرًا وتنظيمًا وعملًا وأفرادًا. كان لزامًا أن تتحطم تلك الأسوار العالية ومن ضمنها تلك الأسوار التي بنيت حول فكر الآخر وأدبه وثقافته، وكان من ضمن أبرز تلك الأسوار التي تحطمت.

الأسوار التي بنيت حول نجيب محفوظ

بالطبع لن تكون قراءة الإسلامي لأدب نجيب محفوظ كقراءة غيره، ولكنها حتمًا ستكون قراءة متميزة؛ لأنها قراءة قائمة على مركزية الوحي في التعامل مع كل شيء، ومن ضمنها طبعًا ألوان التعبير الإنساني المختلفة. وكان من ضمن أبرز الأسباب التي دعت إلى بناء تلك الأسوار هي رواية أولاد حارتنا.

وبعيدًا عن الظروف التي كتبت فيها تلك الرواية وظروف كاتبها حينها وظروف الرواية هي نفسها، كان عيبًا أن التيار الإسلامي ينسي أو يتناسى أن هناك أعمالًا أخرى لذلك الأديب تستحق الاكتشاف على أقل تقدير. وأن تقييم أديب من الأدباء بناء على رواية واحدة وبناء تلك الأسوار على أدبه وعلى فكره لهو جدير بخلق نوازع الضعف والخور في باني تلك الأسوار وتقوية نوازع القوة والصمود فيمن بنيت حواليه تلك الأسوار.

وسأتحدث عن تجربتي في القراءة لنجيب محفوظ. كانت وكما قلت نظرتي له في بادئ الأمر نظرة العدو بما يجهل، وكان تأثري بالأدب الغربي المترجم عاملًا مضاعفًا لتحسسي من تعظيم وتفخيم أي روائي عربي، مرت الرواية الأولى وكانت رواية حديث الصباح والمساء، لم أكملها ولم أجد فيها ضالتي كالذي وجدته في الأدب الغربي من قوة الحبكة ومتانة الأحداث وتلافيف الحوار. جاءت الرواية الثانية وكانت بعنوان قلب الليل، وأنهيتها في ليلتين وجاءت الرابعة وكانت ثرثرة فوق النيل، وأنهيتها في أربع.

وتفهمت، لن تجد فيها التواءات صادمة ونهايات خلابة في معظمها. لن تجد فيها إلا مايحدث بيننا كعرب ومصريين على وجه الأخص، وإن كنا ننكره ونكرهه ونحاول أن نتخلص من وزر سمعته. لن تجد في روايات محفوظ أحداث مشوقة وحوارات ملتوية وآخذه وذاهبة لن تجد فيها، إلا الإنسان بوقعه وهمسه متعريًا أمام نفسه وحقيقته المتنازعة دائمًا بين دواعي الخير ودواعي الشر. وهذه النقطة بالتحديد أذهلتني تمام الذهول وجعلتني عاقد العزم على كشف وسبر أغوار ذلك الرجل فإني كشخص انطوائي يعصف بي الخجل والانزواء الاجتماعي لطالما عانيت ممن لا يريد أو لا يستطيع أن يفهم طبيعتي وشخصيتي.

جاءت رواية السراب، ورأيت الرجل، وكأنه يتحدث عني ، وكأنه قد سبر أغواري وعرف أسراري الدفينة. هذه الرواية جعلتني أرى في محفوظ أديبًا لا يبارى، وإن كانت أولاد حارتنا سوءة في جبينه كأديب، فلا يوجد الكمال إلا في خالق الكمال عزوجل.

لن أنكر وأقول إن كرهي له لم يتغير، فقد تكلمت عن أن قراءة الإسلامي له تختلف اختلافًا كليًا عن قراءة غيره ونجيب محفوظ أبرز ما يميزه؛ مما يجعل أي إسلامي في تحفظ دائم تجاهه هو موقفه غير الواضح وغير البين من الإيمان، فتارة تجد في رواياته إحساسًا عميقًا ويقينًا قويًا بالإيمان ونوازعه وأسبابه، وتارة تجد فيها نغمة واضحة وظاهرة ومعلنة عن الشك ومرحبة به هذا شيء، والشيء الآخر ما قد مكثنا فيه في تلك الأسوار العالية عقودًا سيحتاج إلى مزيد من الجهد والعمل حتى يزول أثره وتمحى أسبابه.

ولكن جل ما أستطيع أن أقوله إنني أصبحت أكرهه لدرجة الحب. رحمه الله وغفر له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, اجتماع, دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد