من أجمل السير الذاتية التي يمكن أن تقرأها على الإطلاق وتوضع جنبًا إلى جنب مع كتاب “حياتي” لأحمد أمين ومذكرات قلم للعقاد، واللذان سنقدم لهما من خلال المقالات القادمة إن شاء الله.

 

يحكي الكتاب سيرة ذاتية لطبيب نابغة هو الدكتور نجيب محفوظ الذي تمت تسمية كاتبنا الكبير “نجيب محفوظ” نسبة إليه، وهو اسم مركب بالمناسبة، عرفانًا من والد نجيب محفوظ الكاتب لمعروف الطبيب نجيب محفوظ طبيب النساء الذي أنقذ زوجته من مأزق خطير في الولادة وتمت على يديه ولادة صعبة لكاتبنا الكريم.

 

سمعت عن الكتاب منذ فترة وكيف أن الأقدار لعبت أدوارها ببراعة شديدة فبعد أن ذاع صيت نجيب محفوظ الطبيب، ذاع أيضًا وبشكل لم يسبق له مثيل صيت نجيب محفوظ الأديب، كأن الاسم حمل للاثنين نصيبًا طيبًا.

 

يبدأ رحلة حياته – وقد كان من عائلة من الموسرين – وهو مسيحي أتم تعليمه في مدرسة قصر العيني عام 1902 وهو مولود في عام 1882 عام دخول الانجليز مصر وقصدت من ذكر تاريخي ميلاده وتخرجه أن أشير إلى أنه قد تخرج طبيبًا وعمره عشرون عامًا فقط، كان هذا في مطلع القرن العشرين.

 

ويحكي في سيرته كفاحه مع الكوليرا في صعيد مصر وكيف حاربه الأهالي بأنهم كانوا يقومون بتخبئة الآبار الملوثة بالكوليرا ويحكي كيف كان يكتشفها، ذكرتني تلك الأحداث بما حدث من المصريين في خلال الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 عندما كان المصريون يرفضون دخول ضوء الشمس للمنازل وكيف كانوا يقاومون نظافة المنازل بشكل كبير وكيف كانوا يقومون بدفن موتاهم وسط منازلهم.

 

ثم يحكي بعدها عن تكليفه في مستشفى في السويس ثم لم يترك لا صغيرة ولا كبيرة إلا وذكرها، ذكرعلاقاته بكل العائلة المالكة في مصر وإنجلترا والعديد من الحكومات والشخصيات العالمية، وذكر كيف قام بتطوير طب النساء في مصر فبعد أن تم تعيينه كطبيب تخدير قام بإنشاء قسم خاص للنساء والتوليد وقام بسرد كيف كان يجمع عيناته وكيف كان يجتهد في عمله مضحيًا بكل سعادته وراحة باله من أجل أن يصنع اسم نجيب محفوظ في كل مكان.

 

يسافر كل عام إلى أوروبا ويرصد ما حدث خلال الحربين العالميتين بمرصد دقيق يشف عن روح ثابتة، وعقل حاد نافذ الأرجاء، كيف وقد سميت أكثر من عملية في بدايات حياته العملية باسمه، يحكي بكل أنفة كيف رفض أن يقترض مالًا وهو غريب عن بلده لا لشيء إلا ليثبت أنه شخص يأنف من فعل الصغائر وما تقض الأرواح.

آخر ما يمكنني قوله عنه أنه طبيب مصري مسيحي قارئ جيد للأدب العربي، دمث الأخلاق محب لعمله، أنشأ متحفًا عُد من المتاحف الرائدة في علم النساء وصنع أرقامًا يستحيل على أطباء زمنه صنعها، كأن قام بإجراء ألفي عملية ولادة قيصرية في مستهل حياته العملية أي العقد الأول في القرن العشرين، واحتفظ بسجلات وصور الأشعة لأكثر من ثلاثة آلاف حالة ولادة غريبة وصعبة. ومسك الختام أنك عندما تقرأ تلك السيرة الذاتية ستخرج منها بشيء لن تستطيع وصفه ولا كتابته لكنه سيلازمك لفترة طويلة من السنوات بأنك قرأت سيرة مثل هذا الطبيب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد