تبدو فترة ما قبل عام 1952 لدى بعض المصريين وبالأحرى للكثير منهم، أنها فترات تتميز بالقوة الاقتصادية والانتعاش الاقتصادي، وخصوصًا الفترة من 1940م وحتى الحرب في فلسطين عام 1948م، والمثال الأشهر للدلاالة على غرام بعض من يتحدثون عن تلك الفترة في كيف أن خرجت مصر من الحرب العالمية الثانية دائنة لبريطانيا بمبلغ 340 مليونًا من الجنيهات حيث بلغت قيمة سعر صرف الجنيه المصري 4 دولارات، فسادت فترة من الرضا عن أداء الاقتصاد المصري وتحول مصر من دولة مدينة إلى دولة دائنة، وذلك بطبيعة الحال لارتباط الحالة الاقتصادية وطبيعة الاقتصاد المصري بالتفاعلات الخارجية المختلفة، والذي ساعدت الحرب في أوروبا على رسمه وإحداث الفارق الكبير على أساس اهتمام الدول المتأثرة من الحرب بإعادة الإعمار وليس بالتحكم بدول العالم الثالث من خلال إقراض الفائض المالي للدول ذات العجز والسيطرة بشكل أو آخر على السيادة داخل الدولة المدينة.

ذلك كان لمحة عن اهتمام الرجل المصري بالنقاش في الفترة المهمة للغاية في حياة مصر قبل 1952م، وعلى العكس نجد قلة هم من يهتمون بالحياة السياسية والنيابية وأمور السيادة، والمعارك السياسية والانتخابية بين الأحزاب، وعلاقة الملك المباشرة بالسلطة التنفيذية، وتدخل الإنجليز في أمور الحكم المختلف حتى يعود بالنفع على مصالح بريطانيا، واستغلال نفوذهم في تحقيق تلك المصالح ولو على حساب سيادة الدولة المصرية من أي تدخل أجنبي.

من أشهر الأمثلة على وجود الأزمات تلك التي عرضت عرش الملك فاروق للزوال، هي أزمة فبراير عام 1942م والتي تمت داخل أروقة القصر الملكي وتحديدًا قصر عابدين. ففي أحد الأيام استيقظ المواطنون على خبر استقالة حكومة حسين صبري باشا والذي طلب الملك منه تقديم استقالة الحكومة، واجتمع برؤساء الأحزاب في مصر والمتكلمين باسمهم للتشاور في اختيار رئيس الوزارة الجديد الذي سيعهد إليه بتشكيل الحكومة.

لم يكن الأمر مفاجئًا للعديد من الساسة المصريين، وتوقع العديد طلب الملك من حسين باشا تقديم استقالة الحكومة، حيث كانت مواقف بعض أعضائها وآرائهم الشخصية تتسم بالدعم للألمان ودول المحور ولم يجدوا حرجًا من المجاهرة بذلك أمام الجماهير والعلن، ومع تقبل الرأي العام لفكرة أن ألمانيا وحليفتها إيطاليا سوف تنتصر على بريطانيا، مما سبب أن طائفة كبيرة من الشعب المصري انحازت إلى دول المحور، فَتَقدم رومل «قائد القوات الألمانية في ليبيا» بجيوشه على الأراضي الليبية وطرد القوات البريطانية، وحتى توغله داخل الإقليم المصري ببضعة كيلومترات أضاع أي مجال للشك في أن القوات البريطانية منهزمة لا محالة، وأن «رومل لا يقهر»، ولذا قامت العديد من التظاهرات تهتف «تقدم يا رومل، إلى الأمام يا رومل» عبر فيها المصريون عن مدى سخطهم وكراهيتهم بريطانيا.

حينها أُصيبت الحكومة المصرية بالحرج أمام حليفتها بريطانيا، والتي تعهدت أن تساعدها بالطرق والأشكال المختلفة في حالة نشوب حرب تكون حليفتها بريطانيا شريكة فيها (وعلى سبيل الدعم المقدم من مصر هو استغلال العديد من الموارد في تصنيع المعدات والذخيرة الحربية في مصانع على الأراضي المصرية وقتها).

وقتها شعر الإنجليز بالقلق إزاء موقف العديد من الوزراء والحكومة في دعمهم ومحاباتهم العدو الألماني، وإثر ذلك الشعور بالقلق قررت السلطات البريطانية متمثلة في السفارة البريطانية قرارًا بإرسال رسالة ملكية إلى الملك فاروق كتبها السفير البريطاني حينها، من الأحرى أن نطلق عليها إنذارًا وليس «رسالة ملكية»، وعندها ذهب السفير بنفسه إلى الديوان الملكي وطلب مقابلة رئيس الديوان وتسليمه الإنذار.

«إذا لم أعلم قبل الساعة السادسة مساءً أن النحاس (باشا) قد دُعي لتأليف وزارة فإن الملك فاروق يجب أن يتحمل تبعية ما يحدث».

بتلك الكلمات الصادمة استقبل رؤساء الأحزاب وممثلوها لطمة التدخل الإنجليزي السافر في شئون الدولة المصرية، وتهديد الملك بتلك الطريقة هو أيضًا صفعة للسيادة الوطنية للبلد، وحتى حضر جميع الأشخاص المعنيين والذين طُلب منهم الحضور دخل عليهم الملك ثم قال:

«لقد دعوتكم للتداول في الموقف بعد أن سمعتم الآن تفاصيل ما حدث. وأطلب إليكم أن تقصدوا بمداولاتكم إلى مصلحة مصر وحدها وألا تجعلوا لأي اعتبار آخر حسبانًا. إنني مستعد فيما يتعلق بشخصي، أن أضحي بكل شيء، فلا شيء يعنيني غير مصلحة مصر وكرامتها واستقلالها».

وكان النحاس باشا وقتها موجودًا ضمن ممثلين الأحزاب المصرية عن الوفد، وثار الخلاف في هل يرفض النحاس باشا الوزارة ردًا لكرامة بلده من تدخل السفارة الصارخ والمباشر في أحد أعمدة سيادة البلد وهو تكوين وتشكيل الوزارة، أم يقبل تشكيل الوزارة ويضرب بكل اعتبارات السيادة والكرامة عرض الحائط؟

استمر النقاش بين الحاضرين في القصر الملكي طويلًا، وبدأت تعلو فيه الاختلافات بين رأي يؤيده أغلب الحاضرين وهو أن الامتثال لهذا الإنذار يعد كما قال أحمد ماهر باشا «ضربة قاضية على استقلال البلد» ولا سبيل أخرى لرد تلك اللطمة والصفعة إلا بعدم قبول النحاس باشا تأليف الوزارة.

كان موقف النحاس باشا وقتها يوصف بغير الاعتيادي والغريب، فبعد تعدد الأصوات المؤيدة لرفض النحاس باشا تشكيل الوزارة كان يردد هو ردًا وحيدًا وهو أنه «لا يتلقى أمرًا بتأليف الوزارة إلا من الملك، فإذا عهد إليه الملك في ذلك فإنه لا يتردد في تأليف الوزارة»، استمر النقاش والنحاس باشا ثابت على موقفه لا يغيره، حتى أنه عندما سأله حسين سري باشا عن سبب رفضه تأليف وزارة قومية تضم العديد من التيارات الحزبية والسياسية الموجودة وذلك لمصلحة البلد، فرد عليه وقال أنه جرب مثل تلك الوزارات  «يقصد القومية» مرة ولا يريد أن يعود مرة أخرى إلى تجربتها، وعرض أيضًا بعض الحاضرين تمثيل كل حزب بوزير واحد في الوزارة إلا أن هذا الطلب أيضًا تم رفضه.

بعد استمرار المناقشات بينهم ساعتين وبعد تعنت النحاس باشا والمثابرة والتمسك برأيه وموقفه، قام المشاركون في الاجتماع بكتابة قرار برفض تدخل السفارة في أعمال الحكومة المصرية، وأن هذا الفعل تدخل في الشئون الداخلية لمصر وإهانة لكرامة ملكها وشعبها.

ليلتها ذهب السفير الإنجليزي ومعه قائد القوات الإنجليزية إلى قصر عابدين لحمل الملك على الاستقالة وتوقيع مرسوم ملكي بالتنازل عن العرش، لكنه استطاع الخروج من المأزق بسهولة بحجة أن الورقة التي أعطاها السفير لتوقيعها لا تتناسب مع أهمية الفعل الذين هم مقدمون عليه، وطلب منه الاتنظار حتى يعد مرسومًا ملكيًا يليق بمكانة الملك، حينها قال له الملك أنه لا يرى لهذا الإجراء أي فائدة، لأنه بالفعل قد طلب من النحاس باشا تأليف الوزارة (وكانت وفدية خالصة بالمناسبة).

العبرة التي من الممكن الخروج بها من هذا الموقف، وهو عادةً مماثل لعدة أحداث سياسية وتاريخية مرت بمصر؛ وهو أن الساسة المصريين والحكومة المصرية متمثلة في الأفراد عادة ما يُؤثرون مصلحتهم الشخصية فوق أي اعتبار.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد