تأملات في واقعنا المعاشِ

وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى الأخص «فيسبوك»، أوضحت لنا بما لايدع مجالًا للشك أننا نعاني أزمة ثقافية ونفسية خطيرة. جل رواد الفيسبوك من المتعلمين حملة الشهادات الجامعية، ولكنهم ذوي ثقافة ضحلة، سواءً في النواحي التاريخية، أو السياسية، أو الاجتماعية، أو الدينية.

بعضهم بسبب التعنت والعناد تجده ينكر الحقائق لمجرد أن خصمه نطق بها، أو أنها تدعم رأيه، فتراه يشكك حتى في المسلمات. أحيانًا تجد البعض يهاجم تصرف طرف سياسي لا يدعمه وينعته بالخيانة، متناسيًا أن الطرف الذي يدعمه قد قام بالفعل نفسه أو أسوأ منه، وأن ما فعله الطرف الخصم هو رد فعل على ما فعله الطرف الذي يدعمه.

الحكم على ردود الأفعال يستجوب الإنصاف، أي بمعنى أن الأمر يستوجب النظر إلى الفعل الذي تسبب في رد الفعل الذي يستهجنه، ولتوضيح هذا الأمر أضرب هذا المثل: شخص ما قتل إنسانًا، فهل نحكم عليه بأنه قاتل بدون معرفة السبب؟ لعله قتله لأن الضحية هو من حاول قتله أولًا فدافع عن نفسه. في هذه الحالة من يتهم القاتل إما أن يكون جاهلاً أو متحيزًا كون الضحية يمت له بصلة أو أنه مجرم مثله.

من يحكم هذا الحكم الجائر يكون قد ضرب عرض الحائط بالمنطق بل بالقاعدة الإلهية التي تقول: «وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ». ولنا في القرآن عبرة حين أذن الله للمسلمين أن يقاتلوا قريشًا بعدما قتلت وعذبت وصادرت أموال المسلمين، وهذا هو الفعل، فكان الإذن بمقاتلتها رد فعل، الإذن جاء صريحًا في قول المولى عز وجل: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ». فهل يستقيم أن نلوم المسلمين على محاربتهم لقريش دون النظر إلى سبب الإذن لهم بالحرب؟

تجد آخرين يدعون أنهم مثقفون يهاجمون كل ما يمت للدين بصلة، بحجة أن ما نحن فيه بسببه! وهذا محض جهل؛ فكون الخطأ في التطبيق من جانب البعض، هذا لا يعني أن المشكلة في الدين.

قياسًا على ذلك، هل يجوز إذا أخطأ شخص ما في عملية جمع أو طرح أن نقول إن علم الحساب خطأ وغير صحيح؟ من يقول ذلك إما إنه جاهل وإما خبيث يبغض علم الحساب؛ لأن المشكلة في الشخص الذي أخطأ في العملية الحسابية، وليس في علم الحساب في حد ذاته.

هذا النمط من التفكير هو الذي جعل الكثير من الأمم السابقة تكفر بما جاء به الأنبياء لأن هذا النمط ببساطة هو مزيج من الجهل والعناد والعزة بالإثم، وللأسف تجد الكثير في مجتمعنا يتبناه!

حلال علي حرام عليك، ببساطة هذه هي القاعدة التي يتبعها الكثير، وهذه القاعدة تضرب بالإنصاف الذي هو من مقومات التفكير السليم والنفس السوية عرض الحائط.

المنطق يقول النتيجة هي نتاج السبب مثل العملية الحسابية (مدخلات = مخرجات) فإذا أردنا أن نقيم المخرجات فعلينا أولًا أن ندرس المدخلات.

لحل مشكلة أزمة الثقافة، أرى، والله أعلم، أن تطور مناهجنا التعليمية بحيث تدرس الثقافة والمنطق منذ الصف الأول الابتدائي إلى نهاية المرحلة الجامعية، لعل هذا يبني ثقافة راقية ونمط تفكير سليم يساهمان في تشكيل ثقافة مجتمعية قادرة على خلق البيئة المناسبة للتطور والتقدم، ثقافة تجعل المصلحة العامة أولوية، والسرقة والنهب والنميمة والأنانية سلوكيات مستهجنة، ثقافة تحث على العمل الجماعي واحترام ذوي العقول والقدرات العالية التي تقود الوطن إلى الأفضل وتجعله في مصاف الدول المتقدمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد