جولة في أحزان نجيب محفوظ … وكما تعودنا أن نذكر تناول الحارة المصرية في الأدب العربي فيذكر نجيب محفوظ وتذكر أحياء مصر القديمة ونشم نسيم الجمالية والحسين والعباسية وشوارع القاهرة العتيقة .. وكان كلما قرأت له وجدته يحلق فوق سماء مصر عاليا وإلى العالم كله، يكتب تاريخ الإنسانية بكل مايخصها وتعيشه ومعاناتها الأزلية .. إنها المعاناة التي كونت انسانا جعلته ينسج أدباً يسع الإنسانية بأسرها ..

 ما السبب الذي يجعلك تقرأ كتاباً عليه اسم نجيب محفوظ؟ ما الذي تنتظره من كهل أفنى شباب العمر وصباه حتى احترق الشعر بياضا وانحنى الظهر وضعف البصر في امبراطورية كبيرة لكنها فقط من السطور والكلمات؟! هل تستمتع بحكايات الجد عن الحارة القديمة واستعراض بطولات الحرافيش وحكايات من زمن سعد باشا والزعيم الذي قفز على الاحتلال وعرش الملك الخائن؟ هل هذا فقط جل ما كان يبثه عبر موجات رواياته وقصصه وأسلوبه المفعم بالحكائية العالية والقدرة على تجسيد الحكاية كأنها روح ولحم .. كلما انتهيت من كتاب لهذا الرجل عصفت في النفس أسئلة لابر لها ولا شاطئ ، أسئلة تتدفق وتتوالد من حيث لا مصدر محدد وكأن الغيث قد أفاض من السماء بلا بداية له ولا نهاية معلومة ، هي فقط أسئلة ولا إجابات تزيد عن كونها أحزان ومعاناة داخل الكلمات ، أو هي أحزان حتى البكاء ..

 قصة: نصف يوم من مجموعة الفجر الكاذب 1987م

تقول الحكاية/الأسطورة أن ذات يوم كان الإنسان يرتع وحيداً عارياً بين الغابات الموحشة والحيوانات المتربصة لافتراسه، فهرب واختبأ خلف التلال،احتمى بالأشجار وانكمش داخله فغفل ولما استيقظ كان فقط يسأل: لماذا؟

” قلت لأبي بحرارة:

ــــ لماذا المدرسة؟ لن أفعل ما يضايقك أبدا ..

فقال ضاحكاً:

ــــ أنا لاأعاقبك ،المدرسة ليست عقاباً ،ولكنها المصنع الذي يخلق من الأولاد رجالاً نافعين، ألا تريد أن تصير مثل أبيك وإخوتك؟!”

 هكذا تبدأ القصة، قصة الطفل الذي أخذه الأب من يده إلى المدرسة فتركه على وعد باللقاء بعد منتصف اليوم لم يتحقق!

تلك المدرسة التي شاطر فيها العالم بأسره أصدقاء الحق وأصدقاء السوء وصادف خلالها الأعداء وصادف الحب وتكالب التلاميذ على اقتناص الأشياء من يدي الآخرين..

 “وتناولنا طعاما لذيذا وغفونا قليلا وصحونا لنواصل الصداقة والحب والتعلم وأسفر الطريق عن وجهه كله فلم نجده صافيا كامل العذوبة كما توهمنا ربما تدهمه رياح صغيرة وحوادث غير متوقعة فهو يقتضي أن نكون على تمام اليقظة والاستعداد مع التحلي بالصبر. المسألة ليست لهوا ولعبا. ثم منافسة قد تورث ألما وكراهية أو تحدق ملاحاة وعراكا”

 ويقفز سؤال هام من بين السطور السابقة: أية منافسة التي تورث كل هذا الألم والحقد بين بني البشر؟ هل هي الحياة التي نحياها بتكالبنا على الترقي فوق بعضنا وسيطرة كل منا على الآخر ولو بطرق متباينة؟ أهي الحياة التي جعلت انسانا يخطط العالم ويقسم الأرض دولاً ويضع القوانين لإنسان آخر ينفذ ماوُضِع له؟ أهي الحياة بهذه الطبقية الحتمية؟

ليس هذا ما يشغلني أكثر مما أوقفني كثيرا وكثيرا حول ماهية الأب الجليل الذي ترك طفله واختفى كأنه باختفائه أزال وراءه جزء من الزمن زوالاً أبدياً من تاريخ الوجود ومن الذاكرة، فترك الطفل يرتع عابثاً في مدرسته ولنكتشف في حين ما أن المدرسة تكتظ بالأولاد الذين تركوهم آبآئهم.. لكن لنر هذا الحوار:

 “شعرت بأنني غريب ضائع. ولكن ثمة نظرات اتجهت نحوي بدافع من حب الاستطلاع. واقترب مني ولد وسألني:

ــــ من الذي جاء بك؟

فهمست:

ــــ أبي .

فقال ببساطة:

ــــ أبي ميت .

لم أدر ماذا أقول له . وأغلقت البوابة مرسلة صريراً مؤثراً . وأجهش البعض بالبكاء.”

مشهد الأطفال المرتقبين دخول الفتى مدرسة الحياة تلك والحوار القصير الذي انتهى بهذه الاجابة: أبي ميت .. تفتح كثيرا من التساؤلات ولاننتهي ، فإما أن الدخول للمدرسة لايتطلب بالذات أن يكون هناك أب وبالتالي قد يكون وجود الفتى هنا عبثيا وبلاجدوى ، أو أن يكون الفتى قتل الأب في وعيه عندما أدرك هذه الخدعة وهذا يوضح أباً مشتركا (هماً مشتركاً) سيتداوله الصبية فيما بعد عن الحياة وعن طفلنا المسكين الذي لم يعرف ماذا يقول؟ أميت الأب أم لا؟ لكنه لاشيء يقول ..

 العودة إلى الجنة

“سرت إلى جانب أبي متعلقا بيمناه. جريت لألحق بخطاه الواسعة. ملابسي كلها جديدة الحذاء الأسود والمريلة الخضراء والطربوش الأحمر. غير أني لم أسعد بالملابس الجديدة سعادة صافية، فيومي لم يكن يوم عيد ولكنه أول يوم يلقى بي في المدرسة. وقفت أمي وراء النافذة فالتفت نحوها كالمستغيث بين حين وآخر.”

 الجنة حلم يسعى الإنسان إلى تحقيقه، منذ بداية إداركه وحتى مماته ، وحينها يتبادر إلى أذهاننا الجنة التي فقدها آدم وحواء وظلوا طيلة حياتهم يسعون للرجوع إليها .. لم فقدوها؟ هل كان ذلك باختيارهما أم أن الفقد كان حتميا لا مناص منه؟

كان أهم حدث في تاريخ الانسان هو طرده من الجنة بسبب أن طلبت حواء منه الأكل من الثمرة المحرمة وعندما لبى طلبها في تلك اللحظة اختار آدم حواء بديلا للجنة فصارت سعيه الدائم للعودة إلى الجنة عن طريقها وكما يقول المثل: داوني بالتي كانت هي الداء.

وعندما نقول أن آدم والبشرية من بعده يسعون لاستعادة الجنة عن طريق المرأة فالمقصود بذلك هو الرحم حيث يعيش الجنين في سلام وأمان وضمان تام للغذاء دون أي جهد أو عناء .. وهذا ماكان عليه الحال في الجنة وعندما يولد الجنين كان ذلك بمثابة طرد آخر له من جنة الرحم فيظل يحمل ذكراها في عقله الباطن طيلة حياته ويحلم بالعودة إليها .

وهنا تظهر الأم المرأة الوحيدة في القصة التي يراها الطفل كمسيح مخلص له من عذاباته ومصيره المنتظر، إنها رابطه للعودة إلى وضعية الأمان ولكن بلاجدوى..

يرى أتورانك “(1884-1939) عالم نفس نمساوي صاحب نظرية العطب الولادي the trauma of birth ” أن الجنين في رحم الأم يعيش في سلام مطلق ولذة لاحدود لها حيث يحصل على احتياجاته دون عناء حتى من مجرد طلبها..إنه باختصار يعيش في جنة وفجأة يطرد منها عن طريق الولادة التي تعتبر أقسى تجربة يمر بها الإنسان إلا أن عقله الباطن يتولى كبتها عن ذاكرته. ويشير أتورانك إلى الفطام كعطب ثاني نتيجة للعطب الأول وهو العطب الولادي.

 وهكذا كان الوضع عند بطلنا الصغير الذي باءت كل توسلاته بالبقاء في الجنة (بيته) بالفشل أمام إصرار الأب على ذهابه للمدرسة فإذا صمد عاد وإذ صمد الطفل فخان الأب وعده .. وظل يحلم بالعودة إلى البيت كأنما طرد منه بالأمس وكأن الزمن تلاشى وتوقف وعيه وادراكه عند لحظة واحدة هي لحظة فقدان طريق (بين الجناين) المؤدي إلى البيت..

 الاحساس بالتحول الحتمي في شخصية الراوي الذي تحول في لحظة حكي واحدة من الطفولة إلى الكهولة. وقد مهد لذلك بسرد وصفي وحواري دالا على حتمية التحول والتبدل الزمني. فالراوي الطفل الذي أوصله أبوه إلى المدرسة في أول يوم دراسي قائلا له:”اليوم تبدأ الحياة. ستجدني في انتظارك لحظة الإنصراف” تتوالى عليه المشاهدات والخبرات المكتسبة حتى ينزلق إلى داخله باحثا عن الأثر المترتب على التحول بأسئلة متعاقبة ذات صيغ متغايرة قائمة على الإختلاف الزمن”تقدمت خطوات ثم توقفت ذاهلا. رباه.. أين شارع بين الجناين؟ أين اختفى؟ ماذا حصل له؟ متى هجمت عليه جميع هذه المركبات؟ ومتي تلاطمت فوق أديمه هذه الجموع من البشر؟ وكيف غطت جوانبه هذه التلال من القمامة؟ وأين الحقول على الجانبين؟ كيف أمكن أن يحدث هذا في نصف يوم،مابين الصباح الباكر والمغيب؟ سأجد الجواب في البيت عند والدي ولكن أين بيتي؟ لا أرى إلا عمائر وجموعا. وحثثت خطاي حتى تقاطع شارعي بين الجناين وأبو خودة. كان علي أن أعبر أبو خودة لأصل إلى موقع بيتي غير أن تيار السيارات لايريد أن ينقطع وظلت سارينا المطافئ تصرخ بأقصى قوتها وهي تتحرك كالسلحفاة فقلت: فلتهنأ النار بما تلتهم . وتساءلت بضيق شديد: متى يمكنني العبور؟ وطال وقوفي حتى اقترب مني صبي كواء تقوم دكانه على الناصية ، فمد إلي ذراعه قائلاً بشهامة:

ــــ يا حاج .. دعني أوصلك..”

عشرة أسئلة تقريبا جاءت لإحساس الراوي بهول التغير يستمد بعضها من الطفولة المنصرمة والآخر عن التغيرات التي أدركها للتو في اللحظة الآنية .. ووحده شارع بين الجناين الطريق المؤدي للبيت الذي وصفه في أول القصة يحظى بمعظم الأسئلة ” شارع بين الجناين الذي تحف به من الجانبين حقول مترامية مزروعة بالخضر والتين الشوكي وأشجار الحناء وبعض النخلات”

وربما يذكرنا هذا الوصف قليلا ببيت الجبلاوي واشتياق أدهم للعودة إليه باستمرار..

 ” ولم يكن بالخلاء من قائم إلا البيت الكبير الذي شيده الجبلاوى كأنما ليتحدى به الخوف والوحشة وقطاع الطرق، كان سوره الكبير العالي يتحلق مساحة واسعة نصفها الغربى حديقة، والشرقى مسكن مكون من أدوار ثلاثة، ويوما دعا الواقف أبناءه إلى مجلسه بالبهو التحتانى المتصل بسلاملك الحديقة وجاء الأبناء جميعا..ثم قام متجها نحو باب السلاملك، ووقف وسط الباب الكبير ينظر إلى الحديقة المترامية التى تزحمها أشجار التوت والجميز والنخيل ، وتعترش فى جنباتها الحناء والياسمين، وتثب فوق غصونها مزقزقة العصافير.” أولاد حارتنا ص11،دار الأداب بيروت

 ونرى استفهام البطل عن الزمن في سئوال واحد: كيف أمكن أن يحدث هذا في نصف يوم؟

وكأنه لو سألناه الآن كم لبثت لقال: فقط لبثت يوماً أو بعض يوم!! دون أي إدراك لكل هذه الدورة العظيمة التي مر بها وخلالها تحول من حال إلى أحوال ..

 وهكذا سنظل أيها السيد نبحث معك ونتيه في طيات أحزانك وهمومك الكبيرة التي ضاق صدرك بها فأغرقتنا معك فيها . لم تكن هذه القراءة سوى مجرد محاولة للمرور على ما في صدر كاتبنا المهموم وربما اتسع العمر لمرات أكثر رحابة نعيد فيها التحليق بعدسة نجيب محفوظ لنرى عالما آخر وواقعا آخر كان يحاول أن يرينا إياه. ففي معظم ما أنتجه لنا السيد محفوظ كان يتناول محورين يدور حولهما وتدور الشخصيات كما الثور في الساقية: (الأب والبيت) كلا المفردتين يوصلان الى غرض واحد وهو الإحساس بالأمان. وكما كان بطل قصة نصف يوم يبحث عن الأب يبحث آخر عن زعبلاوي ويبحث صابر في الطريق عن أباه أيضاً وقنديل العنابي أو ابن فطومة يبحث خلال رحلته عن وطن ويظل الجميع يبحث ولاجدوى ، لايصلون إلا للسراب أو لنكن أدق اختيارا لمفرداتنا فالجميع يصل إلى فراغ !

كأنما الشعور بالأمان صار حلماً عصي المنال ، أو كما قال بطل قصة نصف يوم:

“استسلمنا للواقع .وسلمنا الاستسلام إلى نوع من الرضا.”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

نجيب محفوظ
عرض التعليقات
تحميل المزيد