في الوقت الذي يصفق له فيه العالم أجمع، كان قومه لمزالوا مختلفين في شأنه، ينعته البعض بالانحلال والفسوق، وينعته آخرون بالكفر والالحاد، وتصفق له فئة ثلاثة، ويجهله الكثير. في الثلاثين من أغسطس لعام 2006 رحل مولانا نجيب محفوظ. وبالمناسبة نجيب محفوظ اسم مُركّب، أي ان هذا اسمه هو وحده الذي أسماه والده إياه.

 

في الحقيقة أنا لا أحب أن أشير إليه بالأديب العالمي ولا بالروائي الكبير، انما أشير إليه كما يفعل كثيرون بمولانا عم نجيب! إذ إن أهم ما قدمه عم نجيب ليس أنه وصل للعالمية أو أن كتبه تُرجمت لأكثر من عشرين لغة، ولا أنه العربي الوحيد الذي نال جائزة نوبل في الأدب، إن وصول نجيب محفوظ لأعماق نفس الإنسان والتعبير عنها في كتاباته كان أهم من وصوله إلى العالمية، لذلك استحق لقب “مولانا”. وكذلك قدرته على رصد شكل الحياة المصرية من كل جوانبها اجتماعيا وثقافيا وسياسيا كان أهم من قدرته على نيل نوبل، لذلك استحق لقب “عم نجيب”!

 

إن عم نجيب الذي في رأيي أفضل من استخدم قلما في مصر وفي الوطن العربي كله، كان سابقا لعصره، ما كتبه منذ أعوام بعيدة تراه يتحقق كل يوم، يحدث الآن! فيصلح أن تُستخدم حكاياته وعبارته لتعبر عن واقع معاصر سواء فيما يخص الانسان أو فيما يخص الوطن بأكمله، وكأنه قالها أمس أو أول أمس. كمثل قوله:

 

كيف تنتهي المحنة التي نعانيها؟

“إن خرجنا سالمين فهي الرحمة، وان خرجنا هالكين فهو العدل”

“إن الثورات يدبّرها الدهاة وينفذها الشجعان ثم يكسبها الجبناء”

“من يحمل الماضي تتعثر خطاه”

“الناس يعبدون القوة، حتى ضحاياها”

” عجيبة هذه المملكة بناسها وعفاريتها، ترفع شعار الله وتغوص في الدنس”

“نحن في حاجة إلى طوفان جديد لتمضي السفينة بقلة الفضلاء ليعيدوا خلق العالم من جديد”

“عندما تتكاثر المصائب يمحو بعضها بعضاً .. وتحل بك سعادة جنونية غريبة المذاق ..وتستطيع أن تضحك من قلب لم يعد يعرف الخوف!”

 

وطبعا جملته الأشهر على الإطلاق, “ولكن آفة حارتنا .. النسيان”

كما تمتليء دفتي رواياته بعشرات الأقوال التي تستطيع أن تغيض بما تحمله نفسك ولا تستطيع البوح به.

 

رغم ذلك لو كان يعيش مولانا عم نجيب في عصرنا هذا لربما لم تكن مؤلفاته ستلقى نفس النجاح الذي تحقق في حينه! وذلك لغلبة الطريقة الاستهلاكية السريعة في حياتنا المعاصرة، فكما اعتدنا أن نأكل سريعا من أجل أن نملأ بطوننا لا من أجل أن ننتفع بقيمة غذائية، فجلّ من يقرءون من بين صفوفنا اليوم اعتادوا على القراءة السريعة من أجل أن يملئوا فراغهم، دون البحث عن قيمة حقيقية تملأ عقولهم بما يقرءون. كان سيحول ذلك بالطبع عن إقبال القارئ على كتابات عم نجيب التي يحتاج الكثير منها للتفكر، وربما لإعادة القراءة مرة واثنتين.

 

مولانا عم نجيب لم يكن يعرض في رواياته أحداثا فحسب، بل حالة متكاملة متشابكة، حالة معقدة تماما كما نفس البشرية، او كما الأوطان في عشقها وأوجاعها، حالة سترى فيها طرفا من الدين، وطرفا من الوطن، وطرفا من المجتمع، وكثيرا من الانسان!

 

فمثلا لا يمكن أن نقول إن “ثرثرة فوق النيل” رواية، فهي في حد ذاتها أحداثها قد تبدو للكثيرين مملة! والأمر نفسه ينطبق على رواية مثل “الشحاذ” مثلا.
ورغما من الاختلاف الكبير بين الروايتين، إذ إن الأولى تناقش قضية وطن تائه وسكانه تائهين مثله تماما، والثانية تناقش قضية نفسية إنسانية بحتة وهي “لماذا نعيش؟”، إلا ان الروايتين خير تمثيل لمعنى كلمة حالة، فهما يُحسَن التدليل بهما على حالة الرمزية التي تعيش فيها مع عم نجيب، كي تفهم ما لا يمكنك فهمه إذا نظرت للأمور كما المعتاد بظاهرها.

 

ورغما من هذا، فقد اتُهم نجيب محفوظ بالكفر والخروج عن الملة والإساءة للذات الالهية، واستحل البعض دمه وحاول اغتياله، ومُنعت روايته الأشهر “أولاد حارتنا” من التداول في الأسواق إرضاءا لموقف الأزهر آنذاك. نجيب محفوظ الذي تعج رواياته بالمشاهد الصوفية –التي أصبحت (موضة) بين الكتّاب هذه الأيام- تلك الصوفية التي تبرز حب الله، وتبرز أن الراحة الحقيقية في التسليم إلى الله، كمثل الحوار الذي دار بين سعيد مهران والشيخ الصوفي في رواية اللص والكلاب.

 

لأن الإنسان كائن شديد القلق، ولأن الناس يميلون إلى من يشبههم، ولأنهم بخلاف واحد يتناسون الوفاق ولو دام لسنوات، فقد تجاهلوا كل ما كتبه عم نجيب وسلطوا سهامهم نحو اتهام واحد، وهو أن نجيب محفوظ قام بتمثيل الذات الالهية بشخصية في رواية أولاد حارتنا “شخصية الجبلاوي”، ولم يفطنوا أن نجيب محفوظ لم يمثل الذات الالهية ولا كان يريد ذلك، انما هو قد نقل حالة بأكملها من قدسيتها إلى حياتنا الدنياوية لمحاولة فهم صراع الخير والشر، وأنه يجب النظر للرواية بمجملها، والحكم على الأمر برمته دون اجتزاء.

قد يحملك الناس على أعناقهم لسنوات وسنوات، ثم في دقيقة واحدة يطرحونك أرضا إذا ما خالفتهم الرأي، فلا تنتظرن هتافات التأييد، فربما الألسنة التي هتفت لك اليوم توجه لك السباب غدا، ولا تثق كثيرا في القلوب لأنها دائمة التقلُّب.

 

أنا لا أقدس أي انسان في الحياة، ورغم من كل ما أقول إلا أني قد اختلف مع عم نجيب في نقاط ما، لأنك عندما تقبل تسعة وتسعين بالمائة من أفكار انسان ما، فلا يتعارض ذلك مع أن ترفض واحد بالمائة منها. يمكنك أنت أيضا أن تختلف معه وتنتقده، ويمكنك ألا تحبه، هذا كله حق أصيل لك. ولكن لا تتهمه بالكفر، وهو الذي أحب الخير والحكمة، وأحبب آلاف الناس فيهما، وفي التصوف، وكان أول طريقهم إلى العشق الآلهي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد