لأنه أكبر من مجرد تعذيب، أعظم من صوت الصراخ .. إنه جرثومة كامنة أبدا رغم انقراض أصحابها العظام لا تلبث أن تظهر مع أول إرواء ..

في محراب الكبير نجيب محفوظ ومحاولته لتحليل شخصية “المعذِّب” وإضافات علي بدرخان لها ..

 حينما تشاهد فيلم الكرنك تفكر أن جزءاً كبيراً من جماله عائد لقصة محفوظ نفسه، لكن عندما تقرأ الرواية القصيرة ستدرك أنها مجرد فصل في مأساة متعددة الجوانب، وأن علي بدرخان تمكن من جعل السينما المصرية تصل إلى شيء خاص، لحظات مسروقة في غفلة من أصحابها كي تعرِّيهم، بكاميرا تهتز مع اهتزازاتهم، تخبرك أنها هنا كلما نسيتها، أنها تراقب، أنهم لا يعلمون بوجودك أو وجودها، لذلك ستخترقونهم سويا، وتتلصصون على لحظاتهم الجديرة بالاستكانة في اللاوعي .. رغم أنه لم يجعل من التقاط لحظات اللاوعي غاية، ولم يستطع الخروج تماما عن التقليد القديم في تصوير الخارج، إلا أنه أضاف نكهة كالبهار الجديد إلى طعام محلي معتاد ..

الفيلم ليس بسيطا، مزيج البهجة والوجع ولمحات السينما الحديثة . ولأن علي بدرخان حاول جمع كل شيء، فقد تمكن من جذب انتباهي كذلك، ولأنه أراد صنع ملحمة، فقد لحقته عيوبها من التكرار والأحداث المألوفة، فكل الملاحم تتشابه في الخط العام وبعض التفاصيل، لكن نظرة مدققة مع ترك نفسك للكاميرا الخبيثة تجعلك تدرك أن علي بدرخان ينجح في الإثبات ..

هو مخرج مميز جدا ..

ربما يلتزم الفيلم ببعض خطوط الرواية، يستعير جملاً كاملة مع تغيير السياق وربما الشخصيات التي تنطق بها، يحوِّل الرواية لحياة يتنافس أصحابها في التعبير عما يجول في خواطرهم، عما يجعلهم مميزين جداً .. ومع عدد كبير من النجوم الثقال الموهبة، لم تتمكن الرواية من استمرار إحكام السيطرة عليهم، ومع سيناريو هارب من نير الأصل، ومخرج يرغب في المزيد، تمكن الممثلون هم أيضاً من وضع بصمة خاصة بهم.

زينب دياب/سعاد حسني، فتاة تحمل بعض ملامح رَسَمَها محفوظ، لكن الباقي تكفلت به عينا سعاد التي جذبت الشخصية من قيود الكلاسيكية والاعتياد.. كذلك أداء نور الشريف، ليس إسماعيل الشيخ التقليدي/التمثال البسيط في الرواية، لكنه ممثل تمكن من تشريح الشخصية التي يؤديها قوة وضعفاً، وأعطاها ظلاً من الاختلاف عن المعتاد، أعطاها عمقاً ربما، ووجوداَ خاصاَ، برع في تصوير الحطام البشري.

محمد صبحي، الذي لم أعتد النظر إليه دون ضحك، خصوصاَ في فترة الشباب، لكنه في هذه المرة لم يضحكني، وكذلك لم يبكيني، وهذا هو المفترض به أن يفعله حسب الخط النفسي للشخصية، فهو يقوم بدور الفارس المتهور، الساخر، الصادق، القادر على حفر دور مكث في الظل أكثر مما أصابه النور، الذي يموت دون أن تجد فيك رغبة لأن تبكيه ..

أضاف الفيلم شخصية مميزة لم تذكرها الرواية وهي شخصية الأديب الخائف، قام بأدائها عماد حمدي بامتياز يليق به .. الأديب الذي يبرر خوفه من المواجهة بأن الأدب لا ينبغي أن يصرِّح، فوظيفته الالتفاف لا التصريح بالرأي كالمقالات. ثم ينكسر أمام نفسه بلا صخب ..

شويكار، في دور تمكن من اختيارها أكثر مما اختارته، دور كأنه قُدَّ من أجلها ليظهرها لا كي تظهره هي ..

ثم كمال الشناوي، في دور الضابط المسئول عن التعذيب خالد صفوان .. أعجبني اختيار على بدرخان هنا للصفات الجسدية للمعذِّب، أكثر من وصف محفوظ، فوصف محفوظ لرجل ضخم الجثة غائر العينين واسعهما في جمجمة عظيمة، أخرج القسوة للملامح الخارجية، وهذا ما لم أفضله وأعجبتني أكثر ملامح كمال الشناوي الرقيقة الباهتة القادرة على الثبات وبث الرهبة رغم ذلك، وصوته المتردد بين الحنان والعنف وخط فاصل من اللامبالاة ..

شخصية خالد صوان بالتحديد جعلتني أرجع لقراءة الرواية، فربما وجدت لدى الأديب الذي اعتدت قدرته الكبيرة على تشريح البشر تفسيراً يرضيني، يقنعني بطبيعة هؤلاء وكيف ولماذا .. لكن للأسف لم أجد ما يشفي غليلي ..

لخص محفوظ الأمر في هذا النثر :

” براءة في القرية

وطنية في المدينة

ثورة في الظلام

كرسي يشع قوة غير محدودة

عين سحرية تعري الحقائق

عضو حي يموت

جرثومة كامنة تدب فيها الحياة ..”

محاولاً وصف ما حدث لمصر أثناء الانتقال من فترة النضال أثناء حكم الملك (براءة في القرية، وطنية في المدينة) إلى ما حدث في عهد عبد الناصر (ثورة في الظلام) نسبت لنفسها كلّ النضال وحبست التاريخ السابق وجعلت العالم يبدأ بمولدها، ثم ما حدث لأصحابها (كرسي يشع قوة غير محدودة، عين سحرية تعري الحقائق) مصورا أنهم تمكنوا من الحصول على أدوات الإله فـ ( عضو حي يموت) قلب أو ضمير، أو مجموعة صفات تشكل الطيبة والتواضع الإنسانيين، أو ربما هو الضعف الإنساني وقد تم تناسيه فـ (جرثومة تدب فيها الحياة) الجرثومة التي تطارد الجميع، الرغبة في التألُّه ..

عمد محفوظ إلى الغموض، الإخفاء أكثر من التصريح، عرض وصفاً مختلفاً عن الفيلم الذي انحاز للشخصية النمطية لضابط أمن الدولة المسنود الشرير تماماً الذي لا يقبل المعارضة ويشابه الشيطان دون صفات إنسانية سوى ضعف وخوف يتبديان أحيانا .. كذلك تميز محفوظ بوصف تقدم الشخصية نحو التعايش مع نفسها والإعجاب بما وصلت إليه حتى بعد هزيمتها الشخصية وانتهاء سلطتها، ظلّ خالد صفوان قوياً بشكل ما، قادراً على الانتصار في مجال التنظير وخلق وهم يحيا به ويتفوق من خلاله على غيره الأقل دراية وخبرة بطرق سير الأمور. لكنه مع ذلك، لم يكن كافياً أيضاً، فكيف تتمكن رواية بهذا القصر من التعامل مع موضوع يحمل خطورة ويحتاج للكثير من التأويل !

ليست الرواية من عيون الأدب العربي، ولا من أفضل ما جاء به محفوظ، ولم تعجبني كثيراً .. لكن الفيلم من أفضل ما جاءت به السينما حيث تمكن السيناريو من بناء عالم متكامل، تخيل البقية الغير محكية(المسكوت عنها) وأضاف إليها أكثر مما توقعت، اهتم بالتفاصيل الصغيرة: رصد انكسارات الوعي /التمكن من الحصول على لحظات خاصة غافل خلالها الشخصيات التي لم تكن في حال يسمح لها بالخفاء/صنع طبقات متعددة للصراع.

  سقط الفيلم أحياناً في تكرار ممل أدمنته السينما المصرية، لكن حسناته تفوق تلك الهفوات رغم أن بعضها أحنقني كثيراً؛ فكيف يكون عمر إسماعيل خمسة وعشرين عاما وهو لازال طالباً في كلية الطبّ؟! كيف تقوم الثورة وعمره خمس سنوات ولم تقع النكسة بعد؟!

وربما إصرار بدرخان على التأكيد أن هناك أملاً ما، أن المستقبل سيكون أفضل، لا يناسب حالتي النفسية وخلفيتي المعرفية التي لم يكن قد اطلع عليها بعد. جعل بدر خان نصر 1973 بداية جديدة لجنَّة حقيقية، لأمل واعد .. لا ينبغي عليّ أن أسلبه حقه في الفرح بالنصر، لأنه كان نصراً عاشه الناس وقتها، وإن تحطم بعد ذلك أمام أعيننا ولازال يتحطم.

حتى العم نجيب لم يستطع الاستسلام لليأس، رغم أنه لم ينهي روايته بنصر أكتوبرـ فقد انتهى من كتابة الرواية عام 1971ـ  إلا أنه أصر على إبراز الأمل الواعد في الشباب الجديد الخالي من التعصب الذي ازدهر رغم بؤس الحال.

ولأن الحال لا يسر الآن، والتمسُّك بالأمل يبدو عبثاً نلوم أنفسنا عليه، فربما أميل قليلاً إلى لفتة محفوظ المعتادة بأن الحياة  تستمر ولا تتوقف دورتها لأحد أو على أحد ..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات