إذا نظرنا في عالم نجيب محفوظ نرى أنه عالم مثير اتسم بالبساطة، لما يتخذه من حرفية في الأداء وتصوير جوهر الشخصية ومعدنها، ولو نظرنا إلى صورة نجيب محفوظ نرى أنه رجل بسيط يرتدي بذلة زرقاء يشبه فيها موظفين الحكومة، ببساطة الدخل والملبس والشكل بنظارته الكبيرة بعض الشيء، والتي تكشف عن كونه مواطنًا بسيطًا ولد في حي بسيط بـ«الجمالية» والتي استوحى من حاراتها الكثير من رواياته بوصفها الحيز المكاني، مظهرًا جماليات شخصيته فيها، وهذا الشيء هو الذي أحبه فيه تمامًا، أو من أجل ذلك أحبه، إذ يركز على وصف الشخصية وصفًا دقيقًا من مولده وحال أسرته، مرورًا بحياته يافعًا وشابًا، ويسرد تفاصيل حبه وزواجه إلى مماته ظالمًا أو مظلومًا في حيز ضيق من المكان اسمه «الحارة»، إذ إن نجيب محفوظ عبر عن معدن نفسه لكونه وصف الحياة المصرية القديمة وكفاحها ضد الفقر مما جعله يعبر عن شخص نجيب محفوظ فعلًا بكونه يأبى الظلم ويحب النظام، وأظهر شخصيته كما لو كان ديكتاتوريًّا نظاميًّا، والأهم وصفه الصراع القائم بين الشر والخير المتمثل في أكثر من شخصية مختلفة، فلو نظرنا في حيز الأحداث نراه صغير جدًا من حيث مساحة هذا المكان، أو بمعنى آخر مساحة «الحارة المصرية» الصغيرة بالنسبة لمساحة «مصر» الكبيرة، فنرى أنه يبين أن لكل حارة فتوتها وقانونها دونًا عن قوانين مصر بأكملها، ففي آخر جزء من «الحرافيش» والذي تتضح أبطاله وشخصياته كما ظهر في الفيلم السينمائي المستوحى منها «التوت والنبوت» الذي مثل الصراع القائم بين «أولاد الناجي» والفتوة «حسونة السبع»، إذ ظهر الفنان القدير عزت العلايلي ممثلًا شخصية «عاشور الناجي» والذي يمثل «الخير» وفي يمينه عصا، يرى أنها مجمع قوته ضد الظلم وحوله قلة قليلة من الناس تأبى الظلم والشر ضد شخصية «المعلم الفتوة حسونة السبع»، والذي مثله الفنان القدير حمدي غيث والذي يمثل الشر من فرض «الإتاوة» مقابل حمايتهم وما يصاحبه من قتل وقهر وبطش وحوله الشيخ الأزهري ومفتي الحارة المصرية الكفيف الذي كان يميل ناحية «عاشور الناجي» من وراء ظهره؛ خوفًا من بطش «حسونة السبع»، ويحدث التصاعد الدرامي بين الشخصين ويزداد عدد الناس حول كل منهم إلى أن يحدث الانفراج بموت الفتوة وانتهاء الشر وما يصاحبه من بطش وقهر للناس، وبقي «عاشور» ممثلًا للخير وما يصاحبه من حب الناس له ومبايعته «فتوة» لهم وبذلك استطاع نجيب محفوظ سرد الشخصية المصرية بكفاحها ونضالها منذ قديم الأزل في حيز صغير يعشقه يسمى بالحارة المصرية.

وبذلك تمثلت شخصية نجيب محفوظ الأدبية في كونه دقيق الوصف، والذي يصل إلى حد الإملال، وببساطة القصة من حيث المكان؛ إذ إن كل الأماكن تقريبًا تنحصر بين قهوة الحسين والسيدة وحارات الجمالية، وله بساطة الشخصيات إذ كان يوضح شخصية الفلاح وكفاحه ضد مالك الأرض من جهة أو «الفتوة» من جهة أخرى، ولكن لغته تتميز بالصعوبة إلى حد وسط ما بين المعقد والسهل، وخاصة لغة الحوار عنده، وفي مقال لي عن رواية فيرتيجو ﻷحمد مراد أوضحت فيه السبب، وهو أن عصر نجيب محفوظ منحصر ما بين الأربعينيات مرورًا بهذه العقود حتى الألفية الثانية، وهو عصر كما يراه شخصي تميز بحدية اللغة والالتزام بها وبقواعدها نحويًّا وصياغة، إذ كان عصر العقاد والحكيم ومحفوظ بالنسبة لي فطاحله اللغة، وبذلك مزج نجيب محفوظ بين الأصالة والعراقة وبين ببساطة الإنسان المصري القديم وكفاحه ضد أي شيء مقابل حياته، من أجل حياة رغد يردها، فواصل نجيب محفوظ تألقه في الوصف الدقيق في الأربعين رواية التي كتبها؛ فوصل من «الحارة المصرية» إلى العالم بهذا الشيء، فهكذا نجيب محفوظ كما أرى وكما أعتقد.

الوطن عند نجيب محفوظ ينحصر في حارتنا المصرية

والحق أن نجيب محفوظ عبر عن وطنه بكثير من أوضاع «الحارة المصرية» منذ ظهرت بلا سكان إلا القليل وبلا فتوة حتى ظهر، موضحًا أن الحارة المصرية عنده تساوي العالم بأكمله، وقد عبر عن ذلك في الأغلب من رواياته، وقد حملت أغلفتها ذلك الشيء العظيم مما قاله وكتبه ليمثلها له بريشته الفنان الكبير «أسامة أنور عكاشة» الذي عبر عن معظم أغلفة روايات نجيب محفوظ، ولهذا كان نجيب محفوظ معبرًا عن حاله وشخصه، ومعبرًا عن وطنه، إذ إن الوطن في اللغة يعني المكان الذي يعيش فيه الناس تحت قوانين تحكمهم وحاكم يحميهم، وكثير من الأدباء عبروا عن الوطن بمفهومهم الخاص مثل ابن الرومي عن الوطن يقول: «بلد صحبت به الشبيبة والصبا، ولبست فيه العيش وهو جديد– فإذا تمثل في الضمير رأيته، وعليه أفنان الشباب تميد»، ولكن الوطن عند نجيب محفوظ يعني «الحارة المصرية»، والحارة تمثل العالم كله.

الحارة المصرية الآن بين نجيب محفوظ ومؤلفي عصرنا الحالي

والآن تختلف مشاهد الحارة المصرية بين مؤلف وآخر، إذ نرى مسلسل «الحارة» وما به من أحداث مختلفة داخل جوف الحارة المصرية المعاصرة والحديثة، وعلى هامشها عالم خفي من العشوائيات والتطرف الخلقي، وهناك تصاعد درامي في الأحداث ينتهي إلى النهاية المعروفة والمقرونة لدى الجميع وهي أن الحق ينتصر، وهو ما قرأناه في روايات نجيب محفوظ من أحداث، ولكن حيز المكان ومعالمه في الحارة المصرية مختلفة حيث اختلاف الوقت والزمن، ففي زمن «محفوظ» كانت وسيلة النقل هي العربة الصفيح «القرو» أو «الحنطور»، ولكن وسيلتنا في حارتنا الآن تختلف ما بين العربات النارية (الموتوسيكلات) والسيارات وغيرها، وتنتقل مشاهد حارتنا المصرية في عالم آخر كمسلسل «مولانا العاشق»، والذي تدور أحداث حلقاته الأولى في حارة من الحارات المصرية، عن قصة حب بين البطلة والبطل تنتهي في صراع ينتقل من الحارة إلى المدينة، ومثل «حواري بوخاريست» وهو مسلسل جديد أيضًا يعبر عن حارتنا المصرية المعاصرة بشكل جديد بعدما وصفها وقدمها لنا أديبنا الرائع نجيب محفوظ، وبذلك علم الأجيال، جيلًا تلو الآخر، وبذلك اختلفت معالم حارتنا المصرية في الأدب والفن من قديم الزمن إلى حديثه، وبقي اسمها الحارة المصرية.

الحارة المصرية في روايات نجيب محفوظ.. الفضل الأكبر

فلو نظرنا في بعض رواياته وقصصه مثل «اللص والكلاب»؛ نرى أنه عبر عن أحداث واقعية حدثت للمواطن البسيط «محمود محمد موسى» سنة 1961، عندما حدث تصادم بينه وبين الشرطة كونه يحارب من أجل استرداد شرفه وعرضه بعدما حدث خلاف بينه وبين زوجته ومحاميه لكونهما خاناه وانتهكا حرمة شرفه وعرضه، وهذا المواطن البسيط يعيش في «الحارة المصرية» أيضًا، ولو تقمصنا شخصية المدقق في الأمور نرى أنه في أحد رواياته استلهم اسم الرواية من مضمونها كما في «زقاق المدق»، والزقاق لغة يعني «الحارة»، والتي أرى أن نجبب محفوظ وصف أحداثها وصفًا أدبيًّا رائعًا يمثل حال الشعب المصري من كفاح وتحدٍ للواقع المظلم الذي يعيشه، وننتقل بعد ذلك إلى ملحمة الحرافيش وما بها من عبارات ضد الفتوة الظالم في «الحارة المصرية» المظلمة، مثل «لعنة الله على الظالمين» التي قالها نجمنا «عاشور الناجي» ضد «حسونة السبع» فتوة الحارة المصرية عند نجيب محفوظ، وبعدها نرى قصصًا ما بين الأدبية والسينمائية مثل «الشيطان يعظ»، والتي تدور أحداثها في أحد أحياء مصر القديمة، وفي كل حال كما قلت قد استطاع نجيب محفوظ أن يعبر عن جوهر المكان بلمساته الخاصة بإملال اللغة والوصف، وبساطة الشخصيات، وقدم الأحداث وبساطتها، وهو ما يتماشى مع الحارة المصرية، ومن هنا كان فضلها على نجيب محفوظ أن نقلته من حي القاهرة الذي كان يسكنه ومن حارتنا المصرية إلى العالم، وبذلك استطاع نجيب محفوظ أن يعبر عن مصر وحضارتها وحاراتها، وبهذا يتسنى فضل الحارة المصرية على نجيب محفوظ ورواياته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب
عرض التعليقات
تحميل المزيد