الفساد .. منظومة الوطنية المزيفة

بعيدًا عن أعمق مظاهر استباحة حقوق الآخرين كأكل أموال الناس بالباطل غشًا واحتيالًا.. تخجيلًا واستغفالًا، واستنادًا إلى تلوين الخطاب السياسي وفق المصالح الحزبية، والفصل بين الانتماء والأمانة وتحمل المسؤولية، يظهر التناقض في الإيمان، والازدواجية في العمل، بتحوير الحق إلى غير وجهته، دون الاكتراث لحق الغير في العيش الكريم وفي التفكير المنطقي للأحداث.

ويسود التمسرح في الولاء والأداء من خلال التركيز على المشاعر الوطنية لدفعها باتجاه قناعات ترعم المتذمر منها على جلد ذاته، وتحميل نفسه مسؤولية الفشل في الحفاظ على المصلحة الوطنية العامة.

أي مصلحة وطنية هذه التي يغلب فيها الانتماء الحزبي على الانتماء الوطني؟ أي مصلحة هذه التي لا يحاسب فيها الفاسدون؟! التي يسمح فيها ببكاء الرجال حسرة على أولادهم من الجوع؟ أي مصلحة هذه التي يموت الشباب فيها كمدًا على مستقبلهم المجهول؟ التي يحبس من أجلها 2 مليون شخص يحرمون من أدنى مقومات الحياة؟ أي مصلحة هذه التي تتطلب صمود فئة دون أخرى؟ وتستوجب الصبر والحرمان من فئة دون أخرى؟

صحيح جدًا أن لهذا المجتمع خصوصية، ووضعه الاستثنائي والمختلف أيديولوجيًا مع سياسات المنطقة العربية بأسرها، لكن أيًا كانت فوضى الحواس والانتماءات فلا أعتقد أن منطقة حبلى بكل هذه الأزمات سيستمر فيها جلد الذات طويلًا؛ فالفوضى القادمة لن تبقى حبيسة الترسانات العسكرية والأجهزة المخابراتية، ولا أحد يقنعني أن ما نعيشه الآن هو استقرار، بل هو إرغام على تذوق حلاوة الرحيق المختوم، لاعتبارات سوقها الخطاب الديني والسياسي تجعل من الرافض له مكانة بارزة في الطابور الخامس، وأنه الوحيد الذي قضم الصمود وحرض الناس على المطالبة بحقوقهم في العيش الكريم.

لا أرى من الوطنية في شيء أن نقنع أنفسنا أننا لا زلنا بخير، وأننا على موعد مع السعادة أو النشوة بتحقيق الأهداف، والمستقبل المشرق فلا البنية الاجتماعية سليمة ولا المشهد السياسي مستعد لممارسة التعددية أو الديمقراطية، ولا العلمي والثقافي قابل للشفافية على مستوى إخلاص النية في العمل والبناء والانتماء، ومن رأى غير ذلك فله حساباته الخاصة البعيدة عن مصلحة السواد الأعظم من الشعب.

حقيقة، لم أكن أنوي أن أدلي بدلوي في هذا الشأن، خصوصًا وأني أقوم بدوري الوطني من خلال تأدية واجبي واحترامي لحقوق المواطنة والتزامي بالقانون والآداب العامة، وممارسة ما يسمح لي من الحقوق، لكن الأمر الآن لم يعد عاديًا؛ فقد وصل أمل تحقيق الوحدة الوطنية إلى طريق مسدود أو بالأحرى إلى طريقين مختلفين، وبدأت الأرض تغلي من تحتنا، وبدأت أزقة الحارات الحبلى بالأوجاع تزفر زفراتها الأخيرة قبل الانفجار، وأصبح حديث الناس (مؤيد – معارض) يجوب كل الأماكن متذمرين من الفساد المنمق، وضيق الحال الذي طال عمرو وتجنب زيد.

كل العالم ينطلق بخطى مسرعة نحو التقدم والرقي والرفاهية، ونحن نعايش الواقع صابرين نستلهم القوة والعزيمة من جوع أطفالنا، وهرم شبابنا، وفرصنا الضائعة، نتقبل الخطابات الثورية، ونشارك في المهرجانات الحزبية بنفس العدد (يزيد أو ينقص) حسب الخواطر، نسامر الصمود بالحرمان من السفر والتنقل والعمل والتعليم.. وفوق كل هذا وذاك نشعر بالغربة والاغتراب معًا.

إن الإصلاح في الأرض ليس مجرد خطبة وتصريحات رنانة أو حتى نيابات صادقة لا تصاحبها أفعال تنجزه، ولا يأتي إلا بدفع الناس بعضهم ببعض لقوله تعالي: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (البقرة:251)، لكن الحقيقة المؤلمة، هي أن حالة الفقر والعوز وقلة الفرص التي أساسها الفساد أرغمت القوي قبل الضعيف على تبني سياسة الاستحواذ الفردي دون الالتفات لأي حق من حقوق الآخرين.

لقد أصبح الفساد بشكله المنمق والمستتر بحجب عدة منظومة تتسع دائرتها وتضم أعضاء جدد يوميًا، يتفننون في نهب ثروات ومقدرات ومصالح الناس المحتاجين، منظومة لها طقوسها ودستورها وتكتلاتها حتى على مستوى المؤسسات التي تدعي أنها تحارب الفساد.

ولأن إستراتيجية الإلهاء التي اتبعها الكثير من الحكام لم تتغير منذ مئات السنين وأودت في النهاية إلى سقوطهم، أستغرب أن الحكومات اليوم لا زالت ترتكب نفس الخطأ، رغم أنها – إستراتيجية الإلهاء – أصبحت مكشوفة على عكس ما كانت في السابق.

فلم يعد الآن من السهل تحويل انتباه الرأي العام عن المشاكل المهمة والتغيرات التي تقررها النخب السياسية، ولم يعد من السهل استثارة العاطفة بدلًا من الفكرة كتقنيه كلاسيكية لتعطيل التحليل المنطقي والحس النقدي للأشخاص أو تشجيع الناس المغلوبة على استحسان الرداءة، وجعلهم يسحبون الذنب عن قاداتهم، ويلصقونه بأنفسهم؛ لأن الأمر أصبح متعلقًا بالعدالة والمساواة ولقمة العيش والكرامة.

وعليه.. فإني ومن باب المسؤولية أدعو كل الشرفاء إلى الإسراع بتنفيذ الإصلاحات السياسية والاجتماعية، وإعلان حالة الطوارئ المقترنة بالمساءلة لكل الذين أفسدوا في الأرض أو تشبثوا بما ليس لهم أو استحوذوا على ما معهم دون وجه حق قبل فوات الأوان، وتحجيم سطوة الفصل بين التنظيمات والحكومة، والانتباه جيدًا إلى المشاريع الهادفة إلى تفتيت الشعب المنقسم فترس الفوضى القادمة سيأكل الأخضر واليابس إن بقى الحال على ما هو عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد