ظاهرة انتشرت مؤخرًا في مواقع التواصل بشكل كبير بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على غالبية المدن السنية, تهدف هذه الصفحات التي أصبحت تملأ مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مبالغ حسب ادعائها إلى نشر أسماء الأشخاص والمؤيدين لتنظيم الدولة الإسلامية في المدن التي يسيطر عليها التنظيم, قد يعتقد البعض عندما يقرأ ويطلع على هكذا صفحات وحسابات أنها صفحات وطنية تعمل من أجل محاربة أعداء الوطن والإنسانية, لكن الحقيقة المؤلمة عكس هذا الاعتقاد, إنما هي شكل من أشكال مرض مصاب به المجتمع العراقي منذ عقود طويلة, مرض عانى ومازال يعاني منه العراق كلفه الآلاف من أبنائه.

 

المرض: عبارة عن استغلال القوى الحاكمة لغرض الانتقام وتصفية الخصوم الأبرياء الضعفاء, بأبشع الطرق والوسائل مهما كانت الدوافع مادية, سياسية، شخصية, طائفية، قد يقول القارئ ليس المرض بالغريب فهو متواجد ونسبي في أغلب المجتمعات بكل تأكيد هذا معلوم, لكن هذه النسبية مرتفعة بشكل كبير في المجتمع العراقي, فضلا عن استمرار المرض في أغلب مراحله التاريخية, ولغرض تسليط النظر على هذا المرض وتبيانه في المجتمع العراقي نكتفي بالماضي القريب، بدءًا من حكم الشهيد صدام حسين انتهاء بالحاضر المرير.

 

مـــعـــارضــة

معارضة هذه عبارة تُكتب في تقرير يكتب إلى المكاتب الحزبية أو إلى دوائر الأمن والمخابرات كفيلة بإذاقة الخصم أشد أنواع العذاب والألم التي تشفي غليل كل منتقم مهما بلغ به الحقد ورغبة الانتقام, حيث بسبب طبيعة الحكم القائم على القوة والأحادية (كعادة كل حكم يريد السيطرة على العراق)، يتم استغلال قوانين الحكومة وموقفها من التيارات المعارضة, لغرض تصفية الخصوم وإشفاء غليل الأحقاد مهما كانت تافهة الدوافع والأسباب المحصلة ضحية تعاني الظلم.

 

بــعــثــي

بعدما كانت كلمة “المعارضة” مرادفة للجحيم في نظام صدام حسين قبل الاحتلال الأمريكي، وكيف تم استغلال هذه الكلمة في تصفية الخلافات والنزاعات وإشفاء الأحقاد, تحول الوضع – بعد الاحتلال – 360 درجة حيث أصبح إطلاق تهمة “بعثي” على شخص ما، أو إبلاغ المليشيات الشيعية تعني موتًا محققًا؛ بسبب فوبيا وموقف المجتمعات الشيعية من هذه الكلمة – البعثي – وبسبب حجم حقد الميلشيات الشيعية تجاه من يتهم بها، وخاصة إذا كان المتهم سنيَ العقيدة, أما حكوميًا فإن الحكومات بعد الاحتلال كونت دائرة مختصة بهذا الشأن تعمل على طرد كل شخص بعثي (أي من عمل في حزب البعث) من الوظائف الحكومية سميت “هيئة اجتثاث البعث”، ولا سيما الوظائف العسكرية حتى أصبحت الوظائف العسكرية بالتحديد حكرًا على الطائفة الشيعية بشكل أو بآخر, والمأساة لم تكن  بهذا الحجم المروع كما كانت إبان حكم صدام حسين, إذ أصبحت تهمة “بعثي” مبررًا طائفيًا لقتل وممارسة الإرهاب تجاه سنة العراق, وحتى على مستوى المجتمعات الشيعية فإن هذه التهمة أصبحت وسيلة لغرض الانتقام.

 

عــمــيل – مــرتــد

اشتهرت المدن السنية في العراق في مقاومة الاحتلال الأمريكي, فأصبحت الأجواء الجهادية الحماسية تخيم على المجتمعات السنية؛ فأذاقوا الاحتلال أشد الويلات وأفدح الخسائر, كما معلوم في كل معركة مقاومة للاحتلال يكون وجود الخونة سنة كونية, ثبت وجود – العملاء – وتمت تصفيتهم، ومن هنا بدأت القصة مع المرض, إذ بمرور الوقت حصل استغلال موقف المجتمع السني من الخونة والعملاء وجهاده للاحتلال, فأصبح كل من يحمل خصومة، ويريد الانتقام مهما كان السبب بإمكانه ادعاء الجهاد وتصفية خصمه أو إبلاغ الجهات المختصة, فباسم الجهاد وقتل العملاء قتل الكثير من الأبرياء والشرفاء, أما الاستغلال هذه المرة لم يكن حكرًا على جهة واحدة، بدءًا من الاحتلال الأمريكي الذي استطاع تصفية خصومه بهكذا طرق, مرورًا بالأحزاب والجماعات السنية وأصحاب الدوافع الشخصية انتهاءً بالجهات الحكومية, حدثت هذه المأساة في زمن مشؤوم، كان يعاني المجتمع السني من “الفتنة الطائفية” التي خسر فيها الآلاف من أبنائه, وفتنة أخرى داخلية سنية بين الفصائل المقاتلة فضلا عن الاضطراب والمشاكل التي خيمت على المجتمع السني أبرزها استغلال مفاهيم الجهاد.

 

قــاعــدة – إرهابــي – مــخــبــر ســري

بعدما كان العميل والخائن تهمة أو واقعًا يكون مصير صاحبها الهلاك المبين, تحولت القاعدة كالعادة بالمقلوب فأصبحت تهمة أو واقعَ “المجاهد والإرهابي” تعني الموت الأسود والنفور, بعدما كانت محط قوة واحترام، والخائن الذي يقاتل مع المحتل أصبح محط تقدير واهتمام, بعد فترة سيطرت المجامع الجهادية وما حصل من خلافات داخل المجتمع السني واضطرابات من استغلال “الجهاد” فضلا عن الحرب الطائفية كما وضحنا أعلاه, ظهر مشروع “الصحوات”؛ عبارة عن ميلشيات سنية شبه عشائرية تقاتل مع القوات الأمريكية وتسير بإمرتها لغرض محاربة ما يسمى الإرهابيين والقاعدة, فيا الله ما أسوأ تلك الأيام.

 

وللمرة الثانية كان الاستغلال ليس حكرًا على جهة واحدة، وبأشكال متعددة, إذ تم استغلال تهمة “الإرهابي” على عدة أصعدة؛ الأول الاحتلال الأمريكي الذي راح يرتكب المجازر والجرائم تحت هذا المبرر بكل قانونية, والصعيد الثاني الأحزاب السنية التي قامت بتصفية كل خصومها ولا سيما الشرفاء لغرض السيطرة على الساحة السياسية, والصعيد الثالث الأقبح هو استغلال المليشيات الشيعية والجهات الحكومية هذه التهمة لغرض إشباع أحقاد طائفية مقيتة دفينة، فكانت تهمة “الإرهابي” للسني تعني التعذيب في سجون الداخلية أو الجثث في ساحات النفايات والطب العدلي، أما الشكل الجديد الذي حصل وبلغ به الطغيان هو بإمكان أي شخص تصفية خصمه بسهولة ويسر من خلال تقديم رشوة نقدية لأي شرطي أو صحوجي متنفذ فيكون مصير خصمه بين يديه موتًا أو تعذيبًا حر الاختيار, فغالبية هذه الجرائم التي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء من منطلق قانوني ألا وهو قانون “المخبر السري” الذي ينص على إقامة دعوى على أي شخص بدون معرفة المتهم من اشتكى عليه فإن لقانون “المخبر السري” قصة أخرى، واستغلالًا ما زال جاريًا يتعذب ويموت بسببه آلاف الأبرياء.

 

داعشي – عميل

هذه المرحلة مميزة نوعيًا بسبب خروجها على الروتين السائد لهذا المرض, بعد مرور المرض بمرحلة – قاعدة/ إرهابي – دخل المرض بمرحلة جديدة نوعية قائمة على التضاد, أدى الاستغلال البشع لهذه المسميات – قاعدة/ إرهابي – داخل المجتمع السني أو من قبل خارجه سواء المليشيات الشيعية أو القوات الحكومية إلى استياء الشارع السني, إذ حجم الجرائم والممارسات الطائفية بلغ مستويات لا يتحملها الشارع السني, أدى هذا إلى قيام الاعتصامات السلمية التي شملت غالبية المدن السنية, مطالبة بإيقاف هذه الممارسات والانتهاكات الطائفية, استمرت الاعتصامات لأكثر من سنة فكان الرد الحكومي الشيعي عليها ممثلًا بأربع مجازر يندى لها جبين الإنسانية بحق المعتصمين, أصبح تراكب الظلم والممارسات الطائفية أو الإجرامية من المحسوبين عنهم – سنة العراق – مرحلة الانفجار العظيم, فحصل الانفجار عندما أقدمت القوات الحكومية بالسيطرة على مدينة الرمادي، واقتحام ساعة اعتصام الرمادي وقتل أفراد من أسرة النائب العلوني, إذ خرج السنة بثورة مسلحة بشكل غير متوقع ثائرين ضد ظلم الحكومة, فانقلبت القاعدة مرة أخرى بعدما كان “الجندي والشرطي” يتحكم بمصير أي شخص والمتسيد, أصبح المطلوب الهارب من قبل “الإرهابيين” الذين قبل أيام كان يلاحقهم فيا سخرية القدر وعدالة السماء. ومن هنا بدأ الاستغلال ولا سيما بعد هيمنة تنظيم الدولة على الثورة السنية وقيادتها, كما معلوم موقف تنظيم الدولة من القوات الحكومية الذي يمتاز بالشدة, فضلا عن استمرار الجرائم الحكومية بشكل ساديّ تمثل بقصف المدن السنية بشكل عشوائي من براميل متفجرة وصواريخ ثقيلة، الأمر الذي جعل المجتمعات السنية تبغض الحكومة أشد بغض, وبناءً على هذا كان للمرض حضور مميز, فأصبح من يحمل عداوة ويريد تصفية خصم, يقوم بإخبار تنظيم الدولة بأن خصمه هو “عميل” للحكومة, فيقوم التنظيم بمصادرة منزله ومطالبته بتسليم نفسه للنجاة أو الموت عند التمكين, إلى هنا والمرض يجري بشكل تقليدي متكرر لكن الميزة والنوعية التي أشرت إليها في بداية النقطة, هي أن اليوم باستطاعة من يريد تصفية خصمه توجد أكثر من طريقة؛ إما من خلال تنظيم الدولة وإلصاق تهمة “العمالة” بخصمه, أو من خلال تهمة “الإرهابي” وإبلاغ المليشيات الشيعية والقوات الحكومية, أما المصير الأسوأ فأن يقع الضحية في أيادي تنظيم الدولة, أرحم له من الوقوع في أيادي المليشيات الشيعية كون تنظيم الدولة أحيانًا يُجري تحريًا عن مصداقية التهمة من عدمها, أما المليشيات الشيعية فإن موقفها وتحريها مختزل بهذه العبارة “الا طحين” وارحمتاه من هذه العبارة وما يرافقها من مصير ملعون.

 

وختامًا حول صفحات الفيسبوك:

من كان يعارض تنظيم الدولة، وأصبح يحمل حقدًا كبيرًا وضعفه وقلة حيلته من مواجهة التنظيم لجأ إلى مواقع التواصل، وبدأ ينشر أسماءهم وصورهم كوسيلة مفلسة لمحاربتهم فيا للسخرية! فهل من ينضم للتنظيم يخشى نشر اسمه وصورته في مواقع الفيسبوك وتويتر، وخاصة من يقوم بالنشر هو هارب من التنظيم, إذ من هذا المنطلق الساذج “فضح أسماء الدواعش” يكون لهذا المرض وجود مفلس لكن ذو تأثير خطير, حيث بإمكان أي شخص يحمل خصومة مع شخص آخر مهما كانت الدوافع حقيرة, كل ما عليه إنشاء حساب مستعار ونشر صورة واسم الشخص الذي يود أن يقوم بإلحاق ضرر به، والتوضيح بأنه “داعشي” ما هي إلا ساعات حتى تلتصق الإشاعات فيكون الضحية حسب الفيسبوك هو الرجل الثاني بعد أبي بكر البغدادي, ولمعرفة مصير من تنشر صورته على أنه داعشي كل ما عليكم زيارة هذه الصفحات ومشاهدة التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد