يعتمد التحليل السياسي للأحداث بشكل كبير على دقة المعلومة ومعرفة أولياتها والربط الصحيح بين حدث وآخر أو معلومة وأخرى، ولذلك فإن المطلعين على خبايا الحوارات والخلافات بين الأطراف السياسية في العراق هم الأصح تحليلًا والأكثر إثارة في اللقاءات والبرامج السياسية، وأخشى أن أكون قد تجاوزت حدي – أمام اللا دولة – إذا قلت إنهم الأكثر عرضة للمخاطر إذا وقعوا في خطأ التصريح بالمعلومة للرأي العام.

وعلى الرغم من التجاهل التام للرأي العام، إلا أنه ومنذ فترة ليست قريبة لم يعد معروفا لدى الباحثين والكاتبين المختصين بالشأن العراقي ما هو الحد الذي من الممكن أن يعد تماديًا؛ لذلك أصبح الحد الأكثر أمنًا هو «التعميم»، فمن أعلى هرم السلطة إلى القاعدة يعترف الجميع بوجود الفساد ووجوب محاربته، وأنه تحول إلى نظام مواز للدولة، لكن لا يمكن لكائن من كان أن يسمي رؤوس الدولة العميقة التي تقود هذا الفساد فيلجأ الجميع إلى إدانة الفعل دون تشخيص الفاعل.

وعلى حدود تسمية الأمور بمسمياتها التي أصبحت عملًا عقوبته الموت تقف تعريفات للكثير من تلك «الأمور» التي يمكن أن تكون إشارات لما خلف الحد الممنوع، ولا أدري أيضًا إذا ما كانت الإشارة في حكم التعميم أو التصريح.

ويمكن للواقف عند الحد ذاته رؤية أن العملية السياسية في العراق باتت تشهد صراعًا حقيقيًا بين الدولة واللا دولة، أو الدولة الرسمية والدولة العميقة، أو النظام والفوضى، وبالعموم – الذي لم أخرج منه – يشير ذلك إلى وجود كيان مواز فاعل يصل إلى مراكز صنع القرار، وله إرادة مغايرة لإرادة الدولة، ونظرة مختلفة للمصلحة والسياسة العامة.

ويعرف الكيان الموازي بحسب المؤرخ الأمريكي روبرت باكستون الذي أطلق المصطلح بأنه «مجموعة من المنظمات أو المؤسسات التي تُشبه في هيكلها وتنظيمها وإدارتها الدُول، ولكنها لا تعتبر جزءًا رسميًا من الدولة الشرعية أو الحُكومة، وتعمل في المقام الأول على تعزيز الأيديولوجية السياسية والاجتماعية السائدة في الدولة».

إلا أن المصطلح وفقا لتعريف باكستون يبدو مختلفًا قليلًا مع الحالة العراقية فهو على ما يبدو ينطبق على الولايات المتحدة حيث تؤثر اللوبيات وجماعات المصالح في السياسة والمجتمع، لكنها ليست جزءًا من الدولة، بينما التجربة العراقية تشهد تداخلًا حيث تمثل المنظمات والمؤسسات – التي يقصدها باكستون بكونها مؤثرة – جزءًا من الدولة، بل جزء لا يمكن المساس به مطلقًا.

ومع ذلك فإن التطابق الجزئي حاضر في كون هذه المؤسسات الفاعلة ليست في الواقع مؤسسات دستورية؛ إذ لا ينص الدستور على وجودها ولا يسمح بتشكيلها، وهذا يعني أن دمجها في مؤسسات الدولة لا يعطيها الصفة الرسمية إذ إن الدستور يمنع تشكيلها من الأساس، ولكن على الرغم من ذلك فهي الآن المؤسسات الأكثر رسمية، بالرغم من مخالفتها لكثير من بنود الدستور، لا سيما المادة التاسعة منه.

تنص المادة الخامسة عشرة من الدستور العراقي على أن «لكل فردٍ الحق في الحياة والأمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق أو تقييدها إلا وفقًا للقانون، وبناءً على قرارٍ صادرٍ من جهةٍ قضائيةٍ مختصة»، وأذكر هذه المادة الغير معترف بها في الدولة العميقة؛ لأنني قد أكون أشرت أكثر من اللازم إلى المحظور خلف حد التصريح بمسميات الأمور، فحقوق الأمن والحرية تعد ترفًا أمام انتهاك حق الحياة لمن تشخصه الفوضى متجاوزًا لحدها (ورحمة الله على هشام الهاشمي).

لننتقل إذًا إلى تعريف أكثر دقة ومناسبة من «الكيان الموازي» حيث تعرف الدولة العميقة بأنها «شبكة الاشخاص الذين ينتمون إلى تنظيم غير رسمي، له مصالحه الواسعة، وامتداداته العريضة في الداخل والخارج. ونقطة القوة فيه أن عناصره الأساسية لها وجودها في مختلف مؤسسات ومفاصل الدولة، المدنية، والعسكرية، والسياسية، والإعلامية، والأمنية، الأمر الذي يوفر لتلك العناصر فرصة توجيه أنشطة مؤسسات الدولة الرسمية، والتأثير في القرار السياسي» ويكاد ينطبق هذا الوصف تمامًا على الحالة العراقية لولا أن المعنى الدقيق للتنظيم غير الرسمي مختلف، فالدولة العميقة في العراق لا تدار من تنظيم غير رسمي، بل من عدة تنظيمات رسمية وغير رسمية، بل من قبل شخصيات غير عراقية أحيانًا.

وبالنظر للتشابه والاختلاف بين التعريفات والواقع يمكن القول إن النظام السياسي العراقي مبني على هذه الازدواجية التي جعلت من الحكومة مجرد سلطة تنفيذية لا تقود إقالتها إلى تغيير في جوهر النظام ولا يمس الكيان الموازي المتغلغل بعمق في الدولة، وعلى أساس هذا الواقع يمكن تشييد بناء معرفي عن طبيعة الخلاف بين رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وخصومه السياسيين والأمنيين، فهو ليس ابن المنظومة المتحكمة من خلف الستار، وليس منتميًا لأحد أحزابها وكتلها السياسية، ولا فصائلها وتياراتها المسلحة، كما أنه تسلم زمام الدولة، وهي بخزينة خاوية، وأزمة اقتصادية، وجائحة صحية، وتوترات أمنية إقليمية تجعل من الازدواجية في الإدارة التي أمكنها الاستمرار طيلة الأعوام الماضية غير ممكنة حاليًا، إلا بوضع إحدى المصلحتين قربانًا على مذبح الأخرى، وهو ما ترفضه الجهة الأقوى، لذلك قد يعتمد الكاظمي على الحرب الناعمة، وعامل الوقت لتغيير موازين القوى بين الكفتين المتوازيتين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مسمايتا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد