يقال إن عظماء الرجال ثمرة عصورهم، وأنهم يولدون متى دعت إليهم الحاجة، ومن العظماء رجال يخلقون الأحوال ويهيئون الوسط الذي ينشؤون فيه ويوجدون الفرص المناسبة فينتهزونها، وهذا فريق علماء الحرب والسياسة، فهم يخلقون الفرص ويهيئون النتائج بمقدمات يعدونها، ونابليون بونابرت من هذا الفريق الأخير من العظماء، أي أنه خلق الظروف التي أحاطت به وهيأ النتائج بالمقدمات التي أعدها.

إن مجرد ذكر نابليون بونابرت يجلب أمام مخيلة الذين وقفوا على شيء من التاريخ تصورات كثيرة، وخيالات كبيرة، من ذا الذي لم يسمع باسم هذا الرجل الذي ملأ الدنيا بذكره حتى دوى صيته في الخافقين، ولا يزال يرن صدى هذا الدوي في الآذان.

ذلك الفتى الذي صعد من التراب إلى السحاب، فارتقى من ضابط صغير فقير، إلى قمة أكبر عرش في العالم.

اشتعل لهيب الثورة في سنة 1789، ففتحت لنابليون أبواب الترقي وأسباب النهضة لإدراك ما صورته له مخيلته من أمانيه وآماله، فكان أول خاطر أن سافر إلى كورسيكا وتولى قيادة الثورة في جزيرته لتحريرها من رق فرنسا، وفعلًا قاد فرقة من الثائرين.

إلا أن الحكومة التي وجدت في باريس أعلنت من تلقاء نفسها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1789 استقلال الجزيرة، وجعلها مملكة منضمة إلى الجمهورية الفرنسية؛ فغير ذلك في خطته وعاد إلى باريس وهو شديد التحمس للثورة.

ومال نابليون إلى الجانب السائد في الثورة الفرنسية، وهو الذي أطلق مدافعه في شوارع باريس على العساكر الوطنية فمزقهم كل ممزق، وبذلك انتهى عهد الثورة الفرنسية، وجاء عهد آخر في التاريخ الفرنسي كان هو روح ذلك العهد مدة 20 عامًا.

لأنه لم يمض قليل على فعلته حتى عُين نابليون بفضل المسيو براس -أحد الديركتورات (أو المديرين) الخمس الذين حكموا فرنسا في ذلك العهد بالتضامن- قائدًا عامًا لجيش فرنسا الداخلي، وهو لم يبلغ من العمر إلا 25 عامًا.

نابليون والحملة الفرنسية على مصر

إن كان وجب علينا أن ندخل في تاريخ الحملة الفرنسية وحروبها وأعمالها في مصر مدة الثلاث سنوات التي حكم فيها الفرنسيون هذه الديار، وعاملوا أهلها بما عاملوهم به من عدل وظلم، وإكبار واحتقار، وتعمير وتدمير؛ إذ قد جمع في تلك المدة من المتناقضات ما لم يظهر في فترة أخرى من فترات التاريخ.

ولا خلاف على الأعمال التي قامت بها البعثة العلمية الفرنسية التي رافقت الحملة من حيث فائدتها لمصر وأهلها، ومن حيث فائدتها للعلم عامةً في أوروبا.

لقد أظهر نابليون بإجماع الباحثين والمدققين مهارة عظيمة ونظر وقريحة وقيادة في تجهيز هذه الحملة إذ رووا أنه فكر في كل شيء من دقائق الأمور، فلم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا رتبها وبوبها وأحصاها، فبدأ باختيار زهرة القواد وخلاصة الضباط ولم ينس أصناف الصناع وأرباب الحرف اللازمة للجيش، وجلب من روما المطبعة العربية واليونانية، وأحضر معها فئة من العارفين بصف الحروف وطبعها، وجمع عدة آلات وأدوات علمية، ولم ينس انتقاء مكتبة جامعة للكتب عن مصر والشرق ليقرأها مع ضباط جيشه أثناء سفرهم، وانتهت كافة التجهيزات في 12 أبريل (نيسان) سنة 1798.

سياسة نابليون في مصر وفشل الحملة الفرنسية

فشلت الحملة الفرنسية بسبب عوامل واختلافات عديدة، وأسهمت إنجلترا بدور واضح في إفشال الحملة الفرنسية، وكان يهدف نابليون إلى تحرير مصر من المماليك وإخراج كنوز مصر العلمية بواسطة فرقة من العلماء التي كانت تصاحب الحملة الفرنسية، ومن أعظم إنجازات تلك الفرقة العلمية كتاب وصف مصر، وفك رموز حجر رشيد.

وكان غرضه من احتلال مصر أن يسلخ الهند من إنجلترا؛ ولكن لم يساعده المقدور على ذلك فقد كان الأميرال نلسون الإنجليزي يتعقبه في البحر الأبيض المتوسط حتى إذا تلاقى بمراكب نابليون في خليج أبي قير هشمها وأغرقها أول أغسطس (آب) سنة 1798.

فذهب نابليون بعد ذلك إلى عكا يريد احتلال تلك البقاع، فما استطاع امتلاك حصن عكا الحصين؛ فانقطعت آماله يومئذ من مناهضة سلطة إنجلترا في الشرق، وفي تلك الفترة شاعت الفوضى في فرنسا، واضطربت مالية الحكومة، واستردت النمسا فيها أملاكها من إيطاليا.

كان سفر نابليون بونابرت من مصر أشبه بالقصص الخيالية وأساطير الأولين منه بالحقائق التاريخية والحوادث الواقعية، فإنه كان يعلم علم اليقين أن السفن الإنجليزية بدت واقفة له بالمرصاد، وأن أعظم ما تتوق إليه نفس السير سدني سميث أو أي ربان سفينة من سفن الأسطول الإنجليزي هو القبض على نابليون بونابرت رجل فرنسا وعدو إنجلترا اللدود.

وكان يعلم فوق ذلك أن القابضين على زمام الأحكام في باريس يغارون منه، ولا يريدون وجوده بينهم؛ لأن الشعب الفرنسي متحمس له ومعجب به.

انتهاء الحملة الفرنسية

قدمت الجيوش الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت عام 1798، بغرض جعل مصر قاعدة استراتيجية لتكون نواة للإمبراطورية الفرنسية في الشرق، وبعد فشل أهدافهم وانهزامهم أمام الجيوش الإنجليزية بعد تحطيم أسطولهم في معركة أبي قير البحرية، وبعد حصار الشواطئ المصرية، تم تحطيم الأسطول الفرنسي وغرق بمجمله؛ فقام الجنرال مينو بعد ذلك بتوقيع اتفاقية التسليم مع الجيش الإنجليزي وخروجهم بكامل عدتهم من مصر على متن السفن الإنجليزية، فرحلوا عن مصر عام 1801، بعد قضاء حوالي ثلاث سنوات.

وفي النهاية تظل حياة بونابرت مثالًا للبشر في قوة الإرادة، وحب العمل، وتذليل الصعاب، وتظل أيضًا عبرةً لمن لا يفطنون إلى حقيقة حالهم وضعف حولهم إلا بعد فوات الفرصة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

نابليون

المصادر

الأستاذ/ محمد لطفي جمعة - كتاب حكم نابليون – مؤسسة هنداوى للتعليم والثقافة – طبعة 2013.
الأستاذ /إبراهيم رمزى – كتاب كلمات نابليون – كلمات عربية للترجمة والنشر.
الأستاذ /يوسف سعد – كتاب عظماء من العالم (نابليون بونابرت )– المركز العربي الحديث الجزء الثالث.
الأستاذ /أحمد حافظ عوض - كتاب نابليون بونابرت في مصر - مؤسسة هنداوى للتعليم والثقافة – طبعة 2012.
الأستاذ /حسن جلال – كتاب حياة نابليون – سلسلة دار المعارف – الجزء الأول و الثاني.
عرض التعليقات
تحميل المزيد