أدرك نابليون بونابرت الفرنسي الطامح في المجد العسكري الخالد أن الدين هو أفيون الشعوب، وأنه الطريق الأكثر أمانًا والذي يجب عليه أن يسلكه من أجل الوصول لأحلامه العريضة في تكوين إمبراطورية مترامية الأطراف تخضع لسلطانه وحده، واعتبر الدين قوة موازية للقوة العسكرية، بل أكثر تأثيرًا على الشعوب من القوة العسكرية، وأكثر مقدرة على حشد تلك الشعوب تحت لواء واحد.

هكذا كان الدين سلاح نابليون الأول الذي اعتمد عليه في فرض سيطرته على الشعوب التي غزاها، والتمكن من مقتضيات الأمور داخل البلدان التي فرض سيطرته عليها، ويقول في ذلك:

لم استطع إنهاء حرب الفاندي إلا بعد أن تظاهرت بأني كاثوليكي حقيقي، ولم أستطع الاستقرار في مصر  إلا بعد أن تظاهرت بأني مسلم تقي، وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا، ولو أنه أتيح لي أن أحكم شعبًا من اليهود لأعدت من جديد معبد سليمان.

تلك كانت السمة الرئيسة لأفكار نابليون بونابرت فيما يخص الدين، لا يتعدى كونه سلاحًا جبارًا يفتك بأعدائه أيًا كان انتماءهم الديني، وأيًا كان مذهبهم، وسيلة يمكن استخدامها من أجل الوصول إلى السلطة والمال والسيطرة على عامة الشعب أيًا كان هذا الدين الذي يدين به الشعب.

وصل بونابرت بأسطوله المكون من 26 سفينة إلى ثغر الإسكندرية في أول يوليو (تموز) 1798، ثم إنزال قواته المقدرة بقرابة 30 ألف محارب ليلًا على شاطئ العجمي، وبرغم امتلاكه للقوة العسكرية الكافية لسحق المماليك أصحاب القوة العسكرية الوحيدة في مصر آن ذاك، إلا أنه سلك طريقه الأمن الذي لم يخيب ظنه كالمعتاد، وفي الصباح وجّه بونابرت نداءً إلى الشعب المصري… بالاستكانه والتعاون، زاعمًا أنه اعتنق الإسلام وأصبح صديق السلطان العثماني، مدعيًا أن سبب قدومه إلى مصر الاقتصاص من المماليك، باعتبارهم أعداء السلطان، وأعداء الشعب المصري.

وجاء في رسالة بونابرت لشعب مصر من خلال مشايخه.

بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله الا الله وحده ولا شريك له في ملكه. أيها المشايخ والأئمة.. قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضًا مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في روما الكبرى وخرّبوا فيها كرسي البابا الذي كان دائمًا يحّث النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطا وطردوا منها الكوالليرية الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين، ومع ذلك فإن الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني.. أدام الله ملكه. أدام الله إجلال السلطان العثماني. أدام الله إجلال العسكر الفرنساوي. لعن الله المماليك
وأصلح حال الأمة المصرية.

وبعد عدة معارك مع المماليك أصبح بونابرت حاكمًا مسلمًا باسم بونابردي باشا، يتجوّل وهو مرتدي الملابس الشرقية والعمامة والجلباب، يتردد إلى المساجد وفي أيام الجمعة يُسهم بالشعائر  ويشارك في الاحتفالات الدينية التقليدية للمسلمين، وكوّن ديوانًا استشاريًا مؤلفًا من المشايخ وعلماء الأزهر يستعين به على إدارة شؤون البلاد.

وأكثر ما يوضح السياسة التى انتهجها بونابرت تجاه شعب مصر  وصيته عند رحيله لكليبر القائد الفرنسي الذي خلفه على عرش السلطة في مصر .. إذا أردت أن تحكم مصر طويلًا فعليك باحترام مشاعر الناس الدينية واحترام حرمات منازلهم.

لكن نابليون الذي رأى الدين سلاحًا أكثر فاعلية من القوة العسكرية، ونجح من خلال الاعتماد عليه في السيطرة على العديد من الشعوب مع اختلاف دينهم ومذاهبهم، نجده على دراية تامة بل ومقتنعا كل الاقتناع أن اختلاط الدين بأمور السياسة مَفسده عظيمة، فيقول في ذلك.

الإسلام كالمسيحية تفسدهما السياسة ويلعب القائمون عليهما بالنار إذا تخطوا حدود أماكن العبادة لأنهم يتركون مملكة الله ويدخلون مملكة الشيطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, تاريخ, دين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد