من منا لا يتذكر مقولة القذافي الشهيرة «من أنتم؟!» في خطابه للشعب الليبي في بداية الاحتجاجات التي أدت لإسقاطه، هذا المشهد مر بمخيلتي وأنا أقرأ منذ أسابيع قليلة منشورًا خاصًا بمذيعة تحولت من مؤيدة متعصبة للنظام في مصر إلى معارضة، وبدلًا من تبريرها بأن ضميرها لم يسمح لها بالتمادي في هذه المسرحية العبثية، كتبت على صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك عريضة طويلة من الأسباب التي دفعتها لرفض كل الإغراءات، ملخصها أنها مخلوق أرقى وأنبل منا جميعًا وأنها لا تحتاج للمال ولا المناصب مثلنا نحن الفقراء الذين لم ندرس في مدارس اللغات ولم نأكل بملاعق بلاتين مثلها (على حد وصفها).

هذان المثالان يحملان عاملًا مشتركًا وهو الحب المبالغ فيه للذات، فالقذافي والمذيعة يرون أنفسهم بشرًا من نوع آخر، القذافي كان يرى المعارضة حفنة من الجرذان الأوغاد لا أكثر، كذلك المذيعة ترى أن السبب في ترك الإغراءات ليس المبدأ ولكن لأنها «بنت عز وأصول» ولا تحتاج لما يحتاج إليه العامة، هذه النظرة الدونية ليتها اقتصرت على الرؤساء والمشاهير فقط، لكن مع الأسف كل رئيس أو مشهور ما هو إلا مرآة لشعبه، لكنها مع الشعب تتخذ أشكالًا عدة فمثلًا من منا لم يدخل في نقاش إلا وخرج منه متهمًا بتهمة شنعاء أو مصنفًا لفصيل لا ينتمي له مثل «إخواني – شيوعي – علماني – إرهابي – دولجي – نكسجي – رجعي – خاين – كافر» لمجرد أنه اختلف مع وجهة نظر الآخر.

هذا التعصب الأعمى للرأي والحب المبالغ فيه للذات يطلق عليه في علم النفس «النرجسية» وهي اضطراب نفسي يعني حب الذات بدرجة مبالغ فيها، تصل لدرجة التعالي والغرور، فالشخص النرجسي لا يرى سواه، كما لو أن الأرض لم تخلق إلا ليمشي عليها وكأن السماء ما وجدت إلا لكي يراها حينما ينظر إلى الأعلى.

قديمًا قال نجيب محفوظ في روايته الخالدة أولاد حارتنا مقولة دقيقة «إن آفة حارتنا النسيان» الآن أرى آفة أخرى قد اكتسبتها حارتنا البائسة وهي النرجسية. لذلك دعونا نتعرف في الأسطر القليلة القادمة على أصل هذه الآفة.

أصل التسمية

ترجع أصل التسمية «النرجسية» إلى قصة من الميثولوجيا الإغريقية تدعى «أسطورة نركسوس» أو «نرسيس»، اشتهرت القصة وذاع صيتها عندما اتخذ منها عالم النفس الشهير سيجموند فرويد موضوعًا لإحدى نظرياته السيكولوجية عام 1914.

لم يكن فرويد يرى أن حب الذات ناتج عن خلل نفسي بل اعتبره طبيعة بشرية متأصلة في الإنسان منذ ولادته لكنه يفرق بين هذا الحب الذي تدفعه غريزة البقاء وقد أسماها النرجسية البدائية، وبين النرجسية المرضية أو الثانوية كما أطلق عليها، وتكون بتحول الحب والشغف بالأشياء تكون خارج الذات إلى ما في داخل الذات، وهو ما أطلق عليه اختصارًا «النرجسية».

الأسطورة

نركسوس هو الاسم الإغريقي لنرجس وهو ابن إله النهر كفيسوس وبحسب الأسطورة فإن كفيسوس تزوج حورية إحدى المروج الخضراء تدعى ليريوبي. تقول الأسطورة إن كفيسوس قد قذف بمياهه المتدفقة في جوف ليريوبي الخصب فخرج إلى العالم مولود رائع الجمال أسماه والداه نركسوس، (وهي إشارة إلى زهرة النرجس الجميلة التي تنبت على ضفاف الأنهار والمجاري المائية العذبة).

نشأ نركسوس الجميل في أحضان المياه الجارية والمروج الخضراء، لم يره إنسان أو إله دون أن يعجب بجماله، وحينما أصبح نركسوس شابًا وازداد جمالًا وبهاءً أحبه رفقاؤه، لكنه كان لا يتحاب مع أحد من المعجبين به. كان يصدهم جميعًا – ذكورًا وإناثًا – لكنه لم يكن يعرف الحب ولا يقيم للعواطف وزنًا.

من بين من أحبوا نركسوس وأعجب بجماله حورية تدعى إيكو، وإيكو كلمة يونانية معناها – الصدى – (وهي إشارة إلى صدى الصوت الذي نسمعه في الخلاء وفي الوديان بين الجبال) كانت إيكو فتاة رائعة الجمال لكنها أصيبت بلعنة «هيرا» زوجة «زيوس» كبير الآلهة لأنها أخفت عليها خيانة زوجها مع إحدى الحوريات، فقررت هيرا معاقبة إيكو عقابًا شديدًا، فحرمتها حلاوة الحديث والقدرة على الكلام. فلم تعد إيكو قادرة على المبادرة في الحديث. لكنها تستطيع فقط أن تردد بعض المقاطع الأخيرة من العبارات التي ينطق بها المتحدث.

وذات يوم خرج نركسوس للصيد كعادته مع أصدقائه، وأثناء ركضه خلف إحدى الفرائس ضل الطريق. وأصبح وحيدًا بلا رفيق. لم يكن يعلم أن إيكو تتابعه بنظراتها. لم يكن يشعر أن هناك قلبًا يلهث خلفه وروحًا ترفرف من حوله أينما حل وحيثما سار. طال تجوال نركسوس وتعبت قدماه، جلس يستريح على حافة غدير، جلست إيكو فوق ربوة عالية تشاهد – في إعجاب – حسنه وبهاءه.

طال انتظار نركسوس. لم يحضر أحد من رفاقه، فأخذ ينادي بأعلى صوته، عسى أن يدركه واحد منهم. نفد صبر إيكو لم تحتمل أكثر من ذلك، أخذت تردد المقاطع الأخيرة من ندائه وهي تندفع في سرعة هائلة نحوه لكنه ابتعد فجأة عن طريقها في قسوة وغرور.

عندئذ هوت العاشقة البائسة على الأرض. ارتطم جسدها بالصخرة التي كان يجلس عليها نركسوس. لمس جبينها الناصع قدمي معشوقها القاسي. أحست إيكو بطعنة نافذة في قلبها المفعم بالحب، عاد نركسوس إلى رفاقه وظل يغمره الفرح والسرور ويشعر بحلاوة النصر. لكن جرح إيكو لم يندمل، وفي أحد الأيام بينما كان يشرب نركسوس من الغدير فجأة رأى تحت الماء وجهًا بشريًا رائع الجمال. توقف نركسوس عن الحركة.

تحجرت قلتاه وظل يحملق في العينين الجميلتين تحت الماء. لاحظ أنهما أيضًا تحملقان في عينيه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة عذبة رقيقة، ارتسمت على شفتي الوجه الجميل تحت الماء أيضًا ابتسامة لا تقل عذوبة ورقة، لم يذق نركسوس طعم النوم في تلك الليلة. غادر فراشه مبكرًا على غير عادته وذهب إلى الغدير. أطل بوجهه الجميل على صفحة الماء الصافي الساكن، رأى الوجه الجميل تحت الماء يطل عليه، انسحب إلى الوراء قليلًا فتراجع الوجه تحت الماء في نفس الاتجاه لوَح بيده، رأى تحت الماء يدًا تلوح له، حورية مائية وقعت في حب نركسوس. حورية ليست ككل الحوريات اللاتي قابلهن من قبل. لم يكن يعلم أن تلك الحورية التي هام بها حبًا لم تكن سوى انعكاس صورته على صفحة الماء.

ظل نركسوس يتردد على الغدير في الليل وفي النهار. يلوح بيده لمحبوبته من فوق الماء. تلوح له ما ظن أنها محبوبته من تحت الماء. يمد يده في الماء محاولًا أن يمسك بحسنائه، لكن صفحة الماء تهتز وتختفي حسناؤه على الفور، ضاقت به الدنيا وتملكه اليأس وسيطر عليه الحزن، إنه يحب حسناءه ويعشقها. لكنها لا تبادله الحب بل تهرب منه. وفي أحد الأيام بينما يبث لها عبارات الغزل الرقيق. تحرك شفتيها فتصل إلى سمعه ترديد نفس العبارات «إني أحبك، تعالي إلي…» فتردد إيكو «تعالي إلي» والتي أرادت بذلك الانتقام من محبوبها قاسي القلب عن طريق خداعه حتى يذوق الجفاء ويلتاع بنار الهوى مثلها. فما كان من نركسوس إلا أن قفز في الماء ملبيًا لنداء محبوبته الوهمية وكان لا يجيد السباحة، فغرق شغفًا وعشقًا لذاته.

الأسطورة في الأدب والفن

كما نرى فهذه هي النهاية الطبيعية لكل مزهو بنفسه محب لذاته، هذه الأسطورة تعلمنا الكثير من الدروس والعظات وكانت ولا تزال على مر العصور ملهمة للكتاب والأدباء والشعراء، فكم من قصة اقتبست من هذه الأسطورة وكم من شاعر تغنى بها بداية من أوفيد الشاعر الروماني الكبير إلى أوسكار وايلد الشاعر والروائي الإنجليزي الشهير، كذلك العديد من اللوحات الفنية البديعة التي جسدت الأسطورة ويعد أشهرها لوحة الفنان الإيطالي كارافاجيو (1) ويظهر فيها نرسيس ينظر لانعكاس صورته على صفحة الماء، كذلك لوحة الفنان الإنجليزي يوهان ووترهاوس 1903م ويظهر فيها كل من إيكو ونرسيس بجوار الغدير(2)، هناك أيضًا العديد من الأعمال الأدبية والمسرحية التي تناولت الأسطورة وسيكون من الصعب حصرها، لذلك دعوني أقتبس عنها بعض الأبيات من قصيدة لاعب النرد لشاعرنا العربي الكبير الراحل محمود درويش:

نرسيس ليس جميلًا

كما ظنّ. لكن صُنَّاعَهُ

ورَّطوهُ بمرآته. فأطال تأمُّلَهُ

في الهواء المقَطَّر بالماء

لو كان في وسعه أن يرى غيره

لأحبَّ فتاةً تحملق فيه،

وتنسى الأيائل تركض بين الزنابق والأقحوان

ولو كان أَذكى قليلًا

لحطَّم مرآتَهُ

ورأى كم هو الآخرون

ولو كان حُرًّا لما صار أُسطورةً

يقول الأديب والفيلسوف الألماني العظيم يوهان غوته «الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاث آلاف سنة الأخيرة، يبقى في العتمة» بالطبع هذه الأسطورة لم تجر أحداثها في الواقع، لكنها تظل تمدنا بالعظات، وهذه من مزايا قصص الميثولوجيا، فها هي زهرة النرجس تنمو على ضفاف الأنهار تبدو بمظهر بديع لمن ينظر إليها لكنها سرعان ما تذبل وتموت، فهي رمز لزهو الإنسان الذي يتلاشى مع الأيام، ليتنا جميعًا نقصُّ على أبنائنا قصة هذه الأسطورة لعلنا في المستقبل لا نرى في بلادنا أمثال القذافي أو تلك المذيعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد