عندما تنتهي الحروب تتحول إلى تاريخٍ يروى جيلًا بعد جيل، وغالبًا ما يكون في التاريخ طرفان المنتصر والخاسر، الظالم والمظلوم، لكن هل هذه هي الحقيقة؟ ألا يمكن أن يكون الطرف المنتصر خاسرًا أيضًا أو العكس؟

ألا يمكن للحروب أن تكون مجرد إناء زجاجي يحمل قصاصات ورقية تروي الأحداث بطريقة مغايرة تمامًا عما يرويه التاريخ، بلسان جندي، وناجي، بلسان أم، وزوجة، بلسان معطوب، وثكلى؟

رواية كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته هي إحدى القصاصات الورقية التي تروي وجه الحرب الآخر، حيث صرح كاتبها أنثوني دور في إحدى المقابلات أن سبب تسميتها يعود إلى القصص التي لم يستطع أصحابها أن يرووها وتحولت إلى أضواء لا يمكننا رؤيتها على صفحات التاريخ، على الرغم من أنها تستحق أن تخلد كتذكار أبدي، أن تُسمع، وتُرى، لأن هذا أقل واجب تجاه أبطالها، ألا يتحول كل الناس إلى أبطال في الحروب حتى الأطفال منهم؟

هي ماري لور فتاة عمياء، باريسية، والدها صانع الأقفال في المتحف الطبيعي هو كل عالمها، هو الضوء الذي لا يمكنها رؤيته، يؤمن بها، ويجعلها تؤمن أن امتلاك البصيرة لا يحتاج بصرًا، يمسك يديها ويضع أمامها مجسمات مدينة باريس، كتب جول فيرن التي تقع في حبها ويقول أنها أعجوبته الصغيرة، يقول إنه لن يتركها يومًا، ليس حتى بعد مليون عام.

هو فيرنر، فتى ضئيل، لكنه محبوب، ألماني، ويعيش في ميتم مع أخته يوتا وعشرات الأطفال، يبرز ذكائه منذ طفولته، لكنه يخاف، يخاف من أن ينتهي به الأمر كما انتهى بوالده تحت أنقاض مناجم الفحم، وفي غمار مدينة زولفرين لا يواسيه سوى الراديو الذي وجده يومًا ما واكتشف براعته في التعامل معه، وصوت مقدم البرنامج الفرنسي الذي يتحدث عن كل ما يثير فضوله، تخبره دومًا مربيته إلينا: سيقولون أنك صغير جدًا، يا فرنر، وأن المكان الذي أتيت منه غير معروف، وأنه ليس عليك أن تحلم كثيرًا، لكني أؤمن بك أظن أنك سوف تصنع عملًا عظيمًا.

هي تستمر في التعرف إلى مدينة باريس من مجسمات والدها وحاسة اللمس والسمع، والتنقل في المتحف الطبيعي وإجراء أحاديث ممتعة هناك.

هو يستمر في التجول مع شقيقته يوتا وسط السخام، ويحاول اكتشاف طريقة عمل الأشياء، يستمع كل ليلة إلى الراديو ويحلم بيوم ما يصبح فيه عالمًا.

إلى أن يبلغا سنة 1940 تسقط باريس على يد النازيين وتندلع الحرب ولا يبقى أي شيء كما كان.

تتوالى الصفحات ويعيش القارئ مع الأبطال الفقد، والحرب، والفن.

عن الحرب:

بعد أن هزمت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى اختلف الوضع في الحرب العالمية الثانية بقيادة هتلر وسقطت باريس في أقل من شهرين تحت يد النازية.

هناك مئات من الكتب والمقالات والأفلام الوثائقية التي تحدثت عن النازية والجرائم الوحشية التي ارتكبت في حق الشعوب التي احتلتها بحيث لم ترحم أحد حتى الأطفال.

في رواية كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته يتحدث الكاتب عن النازيين، كيف دمروا باريس وأحرقوها، كيف قصفوا المدن، واقتحموا البيوت، وأسروا سكانها لأقل الأسباب ويبعث على شعور من الكراهية والنفور والغضب من الاحتلال الظالم، لكن من جهة أخرى، نرى النازية بطريقة مختلفة عبر عيون فيرنر ورفاقه في المدرسة العسكرية، ويفكر القارئ وهو يتلمس رغبة فيرنر في الهرب أن الألمانيين أيضًا كانوا ضحايا لها.

يحمل على كتفه حقيبته. يبلغ من العمر 18 عامًا. كل حياته، عبارة عن رفاقه في المدرسة، الراديو، قادته الذين حدثوه عن المستقبل. ومع ذلك ما الذي بقي من المستقبل؟ الطريق أمامه فارغة، وسطور أفكاره كلها تميل إلى الداخل: يرى ماري لور تختفي في الشارع، وعصاها مثل رماد يتطاير من نار، وشعور بالتوقي تحط داخل ضلوعه

ابتداءً من طريقة تنشئتهم القاسية في المدرسة، إلى المهام التي أوكلت إليهم لتأديتها، إلى الشعور بالذنب والعار الذي ظل ملازمًا لـلجنود حتى بعد نهاية الحرب.

يصف الكاتب ويلات الحرب، كيف تسلب الإنسانية ويحل محلها البقاء للأقوى، كيف تسلب الحقوق والحريات، وكيف تقضي على الحالمين أمثال فيرنر وماري لور.

عن الفقد:

مثل كل الروايات التي تتناول موضوع الحرب، يُصبغ على هذه الرواية طابع سوداوي، قاسي وواقعي.

يتناول الكاتب موضوع الفقد وكيف يتعامل معه الإنسان، أو لا يكون لديه الوقت حتى ليتعامل معه.

لا يعبر الفقد على فقد الأشخاص، بل إن مغادرة المكان الذي يعتاد وينتمي إليه المرء فقد، وإدراك الواقع المغاير لتوقعاتنا نوع من الفقد، والضوء الذي لا نراه أيضًا فقد.

وقد فقدت الشخصيات كل هذا وأكثر، فتقول ماري لور لفيرنر عندما يخبرها أنها شجاعة: عندما فقدت بصري، يا فيرنر، قال الناس إني شجاعة. عندما غادر والدي، قال الناس إني شجاعة. لكنها ليست شجاعة، لم يكن لدي خيار. أستيقظ وأعيش حياتي. ألا تفعل أنت المثل؟

لا شيء يملكه المرء أمام الفقد سوى مواصلة حياته كالعادة.

عن الفن:

رغم الطابع الحزين الذي يسود الرواية، إلا أنه لا يمكن إنكار كونها تحفة فنية، شيء نابض بالحياة يمكنك رؤيته، شمه، لمسه، وتذوقه.

تتناول الفصول عن كيف يمكن للحروب مصادرة اللوحات الفنية والتحف القيمة، وكيف يفقدها الإنسان ويفقد جزءًا من حضارته معها، إما بسبب التهريب، أو السرقة، أو التدمير.

كما يصور الكاتب المدينة الفرنسية سان مالو كجنة على الأرض، مدينة صغيرة، لكنها تعج بالحكايات والمعجزات.

يقول الكاتب موهرينغر عن الروائي أنثوني دور: (يرى العالم كعَالِم، ويشعر به كشاعر)، أي قارئ سيقرأ الرواية لن يسعه إلا أن يضم صوته لهذا الرأي، فقد كتب الرواية ببراعة شديدة، وبطريقة تتأرجح بين الماضي والحاضر، وتبدو الأحداث فيها جسرًا يبنى باتقان شديد حتى يصل بين مدينتين أو شخصين (ماري لور وفيرنر)، سيصل القارئ إلى فصل لقائهما متعطشًا لمعرفة المزيد، ورغم زخر التفاصيل، لكن تلك الفصول لن تكون كافية أبدًا.

عن الكاتب:

أنثوني دور، كاتب أمريكي من مواليد 1973 م، فاز بعدة جوائز بسبب رواية كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته كما أنه نشر عدة روايات ومجموعة قصصية لم تترجم بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد