ربما من أخطر المعضلات التي واجهت وما زالت تواجه الفلسطيني هو عدم قبول روايته الشعبية عالميًّا. فالصراع بيننا وبين المحتل الصهيوني جرت ترجمته ونقله إلى العالم المتحضر بصوت صهيوني استغل عذابات الماضي وتراجيديا الهولوكوست والجور الأوروبي ضده من أجل شرعنة وجوده وروايته وإضفاء المصداقية عليها. فبالرغم من أن العديد من الباحثين الفلسطينيين نقلوا ووثقوا بعض الأحداث التي جرت خلال النكبة أمثال روزماري الصايغ، والمؤرخ وليد الخالدي، إلا أن جهودهم كانت فردية وشبه عشوائية، ولم تندرج تحت مشروع وطني أو دولي مُنظم يجابه الرواية الصهيونية الرائجة آنذاك. وبالتالي جرى اعتماد الرواية الصهيونية روايةً رسمية في معظم الدول الغربية. فالغالب هو غالبًا من يكتب التاريخ ويُحدد مساره.

مُعظم الدراسات التي تمت على أيدي باحثين يهود، أجانب – وعرب في بعض الأحيان – بعد النكبة اعتمدت بشكل كبير على أرشيف الجيش الصهيوني الذي سرق المكتبات العربية والأرشيفات العثمانية والسير الذاتية التي تعود لمثقفين فلسطينيين ومقاتلين عرب خدموا في الجيش العثماني. لب المشكلة يكمن في أن الجيش يأذن للباحثين بالوصول إلى بعض الأرشيفات بصورة انتقائية، وهو الذي يحدد نوعية وشكل ومضمون هذه الوثائق، ويقيد الوصول إلى مصادر أُخرى ربما تؤدي إلى فضح روايته والكشف عن المستور من جرائم ومجازر لم يُكشف عنها من قبل. بالتالي فإن معظم هذه الدراسات والأبحاث تظل محدودة ومقيدة، ويجري تحديد مجراها ونتائجها بناء على ما يجري السماح بالوصول إليه من مؤسسات الدولة الصهيونية، وتظل هذه الدراسات منقوصة بدرجة كبيرة وغير شاملة لما حصل بالفعل سنة النكبة.

هذه الرواية الصهيونية – التي جرى تدعيمها وترسيخها على مر السنين بأبحاث صهيونية وأخرى دولية ممولة صهيونيًّا اختزلت أحداث النكبة وهمشت الصوت الفلسطيني – هي الرواية المعتمدة في الغرب وفي بعض الدول العربية التي صدقت الافتراءات والخزعبلات الصهيونية؛ حيث اختزلت هذه الرواية الزائفة أحداث النكبة في بيع الفلسطيني لأرضه وهروبه من بيته وقريته وتخليه عن فلسطين. بل حملت الفلسطيني المسؤولية الوطنية والأخلاقية وصورته على أنه خائن ترك أرضه وتخلى عنها بعكس اليهودي الصهيوني الذي تصرف بكل عقلانية وشجاعة وأخلاقية وعاد إلى أرضه بعد ألفي عام من الرحيل وهذا يعكس العلاقة الوطيدة بين اليهودي وأرضه.

لسوء الحظ، هذا الاعتراف الغربي والتخاذل العربي أسكت الصوت الفلسطيني وألغاه وأنكر وجوده تمامًا، بل اختل عذاباته ومعاناته التي لحقته حتى في منفاه في مخيمات الشتات. الخطر الجسيم لا يكمن فقط في اعتراف الغرب بالخطاب الصهيوني، ولكن في أن الغرب رأي أن المستعمر الصهيوني هو أحق في كتابة الرواية التاريخية عن الصراع لأنه هو من يمتلك المؤهلات والكفاءة اللازمة من أجل فعل ذلك. وهذا ضمنيًّا رسخ المبدأ الصهيوني الزاعم بأن أرض فلسطين كانت شبه خالية وكان يسكنها حفنة من البدو الذين لم يجيدوا استخدام الأرض على الوجه الصحيح. هذه العقلية الاستعمارية كان الغرب قد وظفها في جميع مستعمراته في الشرق وأراد أن يطبق المنطق نفسه من أجل تبرير الغزو الصهيوني لفلسطين. وبذلك يكون الغرب قد رسخ فرضية الاحتلال التي تنادي بأن الفلسطيني كان جاهلًا ومتخلفًا وأنه غير قادر على مخاطبة العقلية الغربية المتقدمة.

وكما ناقش المفكر إدوارد سعيد في إحدى مقالاته (Permission to Narrate) أن الفلسطيني ينبغي أن يطلب الإذن من أجل أن يتكلم أو الشروع في قص حكايته أو روايتها للآخرين، لأن لا أحد مهتم بسماع قصته. هذا التجاهل المتعمد من قبل الغرب، ومن قبله الطمس المتكرر من المستعمر الصهيوني أدى إلى تجاهل، ليس فقط الصوت الفلسطيني، بل أيضًا إهانة مشاعره وعدم احترام عواطفه تجاه أرضه وقضيته، وهذه النظرة الدونية أدت إلى تجرد الفلسطيني من إنسانيته وتجريمه وتحميله مسؤولية أخلاقية تجاه تقصيره. تبني الرواية الصهيونية يعني تهميش تاريخ المعاناة للشعب الفلسطيني والروايات الفردية الغنية حول هدم البيوت وإزالة القرى واغتصاب النساء، وقتل الشيوخ والأطفال، بالإضافة إلى تفاصيل دقيقة متعلقة بعلاقة الفلسطيني الوطيدة بأرضه. كُل ذلك جرى التقليل من شأنه كأنه لم يكن، واختزل في جمل إنشائية عامة على أيدي باحثين صهاينة وأجانب.

هذا الواقع يولد الخيبة والإحباط عند المثقف الفلسطيني بسبب غياب جهود جماعية منظمة تهدف لمجابهة هذه الرواية الزائفة العبثية. الخيبة تنبع من تهميش آلاف القصص وروايات الناجين الفردية حول فقدان الأرض، المجازر المرتكبة على أيدي وحوش بشرية، الحنين إلى الوطن وأشجار الزيتون وكروم العنب، النظام التعليمي في القرية ومكانة المسجد داخل المجتمع، وبشكل عام التفاصيل الأخرى لمجتمع فلسطيني متكامل وُجد قبل النكبة واحتلال الأرض. هؤلاء هم من يجب سماع صوتهم ومراعاة مشاعرهم واحترام عواطفهم وكتابة رواياتهم من أجل تفنيد المشروع الصهيوني القائم على الكذب والافتراء، وكذلك من أجل كشف زيف التضامن الغربي مع آخر مخلفاته الاستعمارية في الشرق. هؤلاء من كابدوا الآلام وليس جلادهم، لذلك من المضحك قراءة تاريخ كتبه القاتل بدم الضحية.

الأمل لا يزال موجودًا، حيث قام العديد من الباحثين والكتاب – جُلهم من الفلسطينيين – بجهود منظمة ومكثفة من أجل صياغة رواية فلسطينية خالصة تُحارب الرواية الصهيونية الزائفة. في العقد الأخير أجرى العديد من المفكرين والباحثين آلاف المقابلات مع فلسطينيين ناجين هُجروا وطُردوا بشكل قسري من فلسطين التاريخية وأنتجوا أرشيفات ضخمة توثق تفاصيل مهمة حاول المُحتل طمسها على مدار السنوات الماضية. جرت أنسنة هؤلاء من خلال إعطائهم الفرصة من أجل التعبير عن مشاعرهم وما تختلجه صدورهم من آلام اضطروا لإخفائها، فتكلموا عن الظلم الذي طالهم وعن ذكريات الطفولة الحلوة في عكا وحيفا وعن حياة امتلكوها. من أهم المشروعات التي أنجزت مشروع Palestine Remembered الذي وثق العديد من الأحداث التاريخية من خلال أصوات الناجين من النكبة حيث أشرف على المشروع نخبة من المفكرين الفلسطينيين من أمثال نور مصالحة، سليم تماري وآخرين من مؤسسة الدراسات الفلسطينية. كذلك كان هناك مساهمات دولية من أمثال ديانا آلان التي قابلت مئات الفلسطينيين في مخيمات الشتات في لبنان وأسست أرشيف سمي أرشيف النكبة (Nakba Archive) وضع في الجامعة الأمريكية في بيروت.

كل هذه وغيرها مشاريع في غاية الأهمية ولا أُنكر أننا ما زلنا في بداية الطريق من أجل إحداث تغيير ملموس وشرعنة الرواية الفلسطينية، وتطبيع وجودها ونقدها للمشروع الصهيوني الاستعماري. في اللحظة التي نتمكن فيها من تغيير الصورة المنتشرة في الغرب عن اليهودي المسكين والمعذب على مر السنين، وإثبات أن الصهيوني الموجود في فلسطين لا يختلف في جوهره عن وحوش النازية، سوف نرى تغييرًا جذريًّا على الصعيد العالمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد