لست بهذا الحماس، ولا بذلك الانفعال الذي كان يسبق أي انتخابات لجامعات الوطن، التي طالما كنا نخوض غمارها بعنفوان. تضاءل الحماس لدي، ليس لأنني ركبت قوافل الشباب العاملين في خدمة بلادي، بل لأن الوضع الوطني عمومًا، أصبح عاجزًا عن جذب اهتمام الكثيرين من الشباب وإن كانوا فاعلين ومولعين بها أيام الدراسة. فمنذ عام 2007 تتناحر فتح وحماس على نيل مشعل الشرعية، إذ تتربع فتح على سدة الحكم في الضفة وحماس على عرش غزة. وكلاهما يقيس مدى قوته وشعبيته عبرانتخابات الجامعات التي تكون في الفصل الدراسي الثاني.  

نشأة الحركة الطلابية

منذ عشرينيات القرن الماضي، كانت فلسطين ترزح تحت وطأة الانتداب البريطاني الذي لا يقل عن قساوة الاحتلال الإسرائيلي، حتى إنه هو من وضع لهم أسس الإجرام، فعملوا آنذاك على الحد من التعليم عن طريق تحديد انتشار المدارس بكافة مراحلها، ونتيجة لذلك كانت فرص التعليم غير متاحة إلا لفئة قليلة ممن لديهم القدرة على تحمل مصاريف التعليم الباهظة والمضنية للكثير، فعمل الطلبة على إنشاء وتشكيل جمعية تحت اسم «جمعيات الخطابة» حتى تكون ملاذهم لممارسة أنشطتهم الرياضية والثقافية والسياسية بدعم من المعلمين الوطنيين. وسرعان ما تحولت هذه الجمعيات إلى شعلة عمل على الصعيد السياسي، وكان التنسيق بين هذه الجمعية على مستوى عالٍ، حيث بدأ الخطباء فيها بالدعوة إلى تشكيل اتحاد طلابي يضم كل الطاقات الطلابية الفلسطينية، من أجل الوقوف في وجه المؤامرات التي تحاك من قبل المستعمرين. وقد كان لهم ما أرادوا حيث تم عقد المؤتمر الطلابي الأول في مدرسة المنشية في مدينة يافا عام 1936، وحضره ممثلون من مختلف المدارس الفلسطينية وتم خلاله الإجماع على الوقوف في وجه الانتداب. إلى جانب ذلك، تم في القاهرة المصرية الإعلان من قبل مجموعة من الطلبة الفلسطينيين عن تشكيل رابطة الطلبة الفلسطينيين في جامعة الملك فؤاد، حيث قامت بروابط العربية للتعريف بظروف أبناء الشعب الفلسطيني، وقد دعت الرابطة عندما بدأ الجهاد المقدس إلى ترك المقاعد الدراسية والتوجه إلى فلسطين للقتال إلى جانب المجاهدين.

النكبة

وتعتبر النكبة التاريخ الفارق في حياة الفلسطينيين، حيث قلب هذا التاريخ الموازين وأعاد صياغة كل شي من جديد، إذ أصبحت الحركة الطلابية محركًا ودافعًا إيجابيًّا لتغيير الواقع خاصة في المخيمات التي كانت على أهبة الاستعداد وفي عنفوان حماسها لتحقيق أفكار الشباب، وزاد النشاط الطلابي بأوساط اللاجئين، وزاد الأمل بخوض حرب مع الاحتلال فيما كانت المدن الفلسطينية معقلًا لندوات ومحاضرات هؤلاء الطلبة، وفي الخارج كانت القاهرة منارة للعمل الطلابي وخاصةً منذ تسلم ياسر عرفات رئاسة الرابطة (1952 – 1956) والدور العربي والعالمي، الذي لعبته في بعث القضية الفلسطينية، ومع بداية عام 1957 عقد لقاء ضم ستة أشخاص هم: ياسر عرفات، وخليل الوزير، وعادل عبد الكريم، وعبد الله الدنان، ويوسف عميرة، وتوفيق شديد، حيث اعتبر هذا اللقاء بمثابة اللقاء التأسيسي الأول لحركة «فتح» وصاغ المؤسسون ما سمي «هيكل البناء الثوري» للانطلاق نحو تحرير فلسطين، وشهد العالم عملهم كما عزمت أغلب الفصائل الفلسطينية على الانطلاق من الجامعات والمعاهد التعليمية التي تجمع ثلة الوطن، صفوة شبابه الذين كان أغلبهم منخرطين في اتحاد الطلبة في الخارج الذي تأسس عام 1959 أي قبل 6 أعوام من تأسيس منظمة التحرير.

الجامعات الفلسطينية والحركة الطلابية

كل الصروح التعليمية في فلسطين والتي يقارب عددها 30 صرحًا، ما بين جامعة وكلية تضم  مجالس طلابية، تناقش هموم الطلبة ومطالبهم والمشاكل التي تواجههم خلال مسيرتهم التعليمية،  وتتنافس الفصائل والأحزاب الفلسطينية على قيادة هذه المجالس لكسب مزيد من شعبيتها عن طريق أذرعتها الطلابية، فـحركة فتح تخوض المنافسة على هذه المجالس بكتلة تسمى على اسم شهيدها ومؤسسها «ياسر عرفات»، بينما تنافس حركة حماس على هذه المجالس بكتلة الوفاء الإسلامية. أما الفصائل اليسارية التي كانت تتربع سنوات على عروش العمل الطلابي فتخوض الانتخابات إما بكتلة موحدة أو بثلة من الكتل، غير أنها لا تشكل خصمًا شرسًا لكلتا الحركتين (فتح وحماس) وخاصة بعد اتفاقية أوسلو 1993 التي تم بموجبها إعادة منظمة التحرير إلى أرض الوطن، وانخرط اليسار بعدها فيما يعرف بمؤسسات غير ربحية (الإن جي أوز) وتضاءلت مكاسبها في الوصول إلى أصوات الطلبة، وتكمن قمة هذه المنافسة في جامعة بيرزيت التي تأسست عام 1924 ويعتبرها الكثيرون مقياسًا لشعبية الفصائل لما توفره إدارة الجامعة من أجواء ديمقراطية للعمل الطلابي، رغم أن الجامعات الأخرى كانت بدورها يسودها مناخ ديمقراطي ملحوظ، لكن بيرزيت تعتبر صرحًا وطنيًا ليبيراليًا، تضم طلبة من مختلف المناطق والطبقات والتوجهات الفكرية، وهي رائدة الجامعات في فلسطين، كما تعرف بأنها مصنع للبحث العلمي وتتسع لجميع الأفكار والمعتقدات والرؤى، جامعة غير متزمتة، يستطيع الإنسان من خلالها أن يطور أفكاره، لكي يغدو مبدعًا ومبتكرًا وناجحًا مما ساعد طلبتها في تشكيل دور مهم في رسم الأحداث على الساحة الفلسطينية مما يجعل الاحتلال يراقب ما يجري بهذه الجامعة خاصة في فترة الانتخابات.

طلبة بيرزيت

لم تكن هذا الجامعة لكثير من طلبتها جسرًا لعبور مرحلة تعليمية وحسب، بل كانت ملهمًا لهم لتشكيل شعلة منيرة في عملهم، فعلى سبيل الذكر لا الحصر «فتحي الشقاقي» أحد خريجيها هو من مؤسسي حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ومروان البرغوثي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والمسجون لدى الاحتلال والمحكوم بالمؤبد، والشهيد يحيى عياش من أوائل صانعي المتفجرات، ومهندس كتائب القسام الأول، والتي أشاعت عملياتها الذعر في الشارع الإسرائيلي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وأيمن حلاوة وصالح التلاحمة وأحلام التميمي، من قادة الجناح العسكري لحركة حماس، وخضر عدنان قيادي في حركة الجهاد الإسلامي وأضرب عن الطعام في سجون الاحتلال، وبسام الصالحي الأمين العام لحزب الشعب، وكذلك العديد من طلبتها يشكلون باكورة العمل الثقافي كسحر خليفة؛ كاتبة وروائية فلسطينية أصدرت العديد من الروايات، وسليم دبور كاتب روائي وسينمائي وتلفزيوني ومسرحي، وروان الضامن؛ إعلامية في قناة الجزيرة تخرجت في قسم الصحافة والإعلام، وغيرهم ممن تتلمذوا على أيدي مفكرين كبار مثل حنان عشراوي، وسري نسيبة، وعزمي بشارة، وإبراهيم أبو لغد، وغيرهم من الشخصيات الفلسطينية البارزة.  

وضع الحركة الطلابية اليوم

وإن كانت الحركات الطلابية سابقًا ملجأ يعبر فيها الطالب عن مشاغله ورفضه جبروت الاحتلال والقمع، إلا أن الحركة الطلابية باتت اليوم في حالة مترهلة تعصف بالقيم التي أسست من أجلها والأهداف التي رسمتها أجيال متعاقبة، وهي انعكاس واضح لفصائلها الجذرية فقد فقدت وهج عملها الطلابي والسياسي في الجامعات بسبب التناحر بين الفصائل، وضياع الرؤية الواضحة نحو العمل للتخلص من هذا الاحتلال، ودخولهم في نفق المصالح الفئوية الضيقة. تتالت المصالح الضيقة وسيطرت النخب، وبقي وضع الحركة الطلابية متأرجحًا وفق أهداف الفصائل وقادتها. وفي هذا الوضع تبقى مسألة ترك الساحة لطلبة، ومنحهم الحرية في التعبيرعن مشاغلهم،  وترسيخ فكرة المنافسة الشريفة بعيدًا عن إغداقها بالأموال، وتلويثهم بفكرة القتال حتى الموت على الكرسي؛ من الأساسيات المرجوة اليوم. طالما أن هدف الفلسطينيين واحد أوحد هو تحرير فلسطين وغزتها وقدسها. وتحقيق التحرير لا يكون إلا بشباب الوطن، فهم نبراس البناء والمستقبل. فترك المجال للطلبة اليوم حتمي، فكونوا عونًا لهم وسيفًا معهم لا عليهم، فالكل رابح إن استمرت العملية الديمقراطية في جامعاتنا.  

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد