د. بيار الخوري 37
د. بيار الخوريكاتب وباحث في السياسة والاقتصاد 37

2,304

لا تهدف السطور التالية إلى إبداء الرأي في حدث تسليم مجسم مفتاح قضاء كسروان للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، بل لتحليل تداعياتها المختلفة.

اندفع الشحن الطائفي والمذهبي إلى أقصاه، كما العادة، على مواقع التواصل الاجتماعي في استعادة مبطنة «لأمجاد» الحروب الداخلية. ولوهلة أعطى هذا الجو انطباعًا بأن نصر الله، زعيم «الغرباء»، قد جرد حملة عسكرية وبات على أسوار كسروان، الأمر الذي يستدعي شحذًا للهمم للدفاع عن «عاصمة المسيحيين الشرفاء» أو «عاصمة الموارنة»: اختر ما تشاء.

إنه الصيد الثمين! بين من له حساب مع خصم وجاء وقت تصفيته، ومن يتحين الفرصة للانقضاض على خصمه الانتخابي وسحب بعض الأصوات الإضافية منه، تحولت معركة الاعتراض على تسليم المفتاح إلى معركة تصفية حسابات بين الموارنة أنفسهم وبالضربة القاضية إذا أمكن. استنفار للمشاعر الطائفية وهجوم بلا حساب على رجل تجمع طائفته (والكثير من اللبنانيين مؤيدين وخصومًا) على احترام هيبته.

من يعرف الطائفة الشيعية جيدًا يعرف أنها الطائفة اللبنانية الكثيرة التنوع في تاريخها السياسي وواقعها الاجتماعي. هي الطائفة التي حرمت من امتيازات النظام المجلسي العثماني وهي التي نازعت الإقطاع وحملت قضايا العرب في الستينيات والسبعينيات وقارعت احتلال «الدولة التي لا تقهر» وقهرتها. كان لها تاريخ مع القوميين العرب واليسار والحركات الفلسطينية وعباءة الإمام الصدر وصولا إلى عباءة السيد نصر الله. وفي هذه الطائفة نزعات اجتماعية متنافرة من المؤمن الملتزم إلى الملحد، ومن السيدة الملتزمة دينيًا إلى الفتاة العصرية، ونزعات سياسية أكثر تنافرًا بين من لا يزال يحلم بعودة الاتحاد السوفييتي إلى المؤمن بولاية الفقيه، من الشمعوني العتيق إلى الأسعدي إلى بعث العراق وسوريا والسوريين القوميين إلى العونيين وأنصار البيت الحريري والبيت الجنبلاطي بالإضافة إلى تنوع المرجعيات ضمن البيئة الدينية الشيعية.

الأمين العام لحزب الله يجمع تحت عباءته كل هؤلاء بمن فيهم من يناصبه الخصام في السياسة. في الحد الأدنى يرى فيه خصومه في الطائفة هامة كبيرة فرضت احترامها على العالم، ويراه مريدوه قائدًا كبيرًا من أولئك الذين حدثتهم عنهم كتب التاريخ ولا يحضرون إلا مرة كل 100 سنة، بل إن بعض الغلاة يشتبهون في أنه ذلك الشخص الذي يحضر مرة واحدة في آخر الزمان.

حين أطل الأمين العام لحزب الله من على شرفة طابق عمارة مقابلة لساحة رياض الصلح في الثامن من مارس (آذار) 2005 كان يواجه جمهورًا كبيرًا، لكن بدا بعد أيام ستة أنه متواضع مقارنة بحشد خصومه في ساحة الشهداء في الرابع عشر من الشهر نفسه.

بين مارس 2005 واليوم 13 عامًا وتغيرات كثيرة أدت بشكل أساسي إلى تعاظم متنام في قوة حزب الله وتراجع متزايد في قوة خصومه. هناك من أحس بعيد حدث تسليم المفتاح أن عقارب الساعة تعود اليوم 13 عامًا، بل أكثر، إلى الوراء وأنها الفرصة السانحة لاستعادة مجد أضاعوه بأنفسهم ولا بأس في تهشيم أي كان على مذبح «المجد الضائع».

لم يحسن هؤلاء حساب أثر ما أقدموا عليه على معاركهم السياسية-الانتخابية الكبرى. نسوا أنهم يريدون تقوية خصوم حزب الله في الطائفة الشيعية، نسوا أن لائحة قرداحي-زعيتر (المدعومة من الثنائي الشيعي) ينقصها أقل من 1000 صوت شيعي إضافي لضمان الحاصل الانتخابي في دائرة كسروان-جبيل الانتخابية، ونسوا أنهم يسعون لإقناع شيعة البقاع الشرقي أنهم يريدون بناء وطن معهم، في مقابل «الدويلة» التي يقيمها حزب الله، وخرق لائحة الثنائي الشيعي بمقعد شيعي سيكون له رمزية كبيرة في تشعبات السياسة اللبنانية وفي الرسائل التي ستبعثها نتائج الانتخابات للخارج. نسوا كل ذلك وقاموا باستفزاز طائفة بكاملها وحسموا رأي المترددين الشيعة، فمدلولات ردة الفعل واضحة: إنكم تضحكون علينا!

منذ أيام قال لي صديق أوروبي إن نصر الله ليس إنسانًا خارقًا، ولكن الظروف تمنّ عليه دائمًا بخصوم غير عقلانيين: إسرائيل استهانت به فدفعت الثمن غاليًا، اللبنانيون من قوى الرابع عشر من مارس اختصموا فيما بينهم أكثر مما خاصموه، الفصائل المسلحة في سوريا تتلهى بقتل بعضها البعض أكثر مما تقاتل حزب الله.. والبقية عندكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك