القاعدة الأولى : ارمِ طعمك لكل السمك

أرسل الضباط الأحرار موفديهم لجميع الأطياف السياسية ، في مقدمتهم القوتين البارزتين آنذاك الإخوان والوفد ، ورموا الطعم باسم الثورة على الطغيان والاستبداد الذي يمارسه الملك ، والذي ينبع من كونه أداة طيعة في يد الاستعمار .. وصار الضباط الأحرار ينظرون من فوق على كافة الأطياف السياسية ، التي تنتظر أن ترميَ القوة الأكبر في مصر بطعمها لتصطادها ، بل تتعطش للاصطياد ، والضباط الأحرار هنا بين الموافقة والرفض ، هنا صار الموقف أقوى .

 

 

 

 

القاعدة الثانية : داعب أحلام الجماهير

الليبرالية والديمقراطية والبرلمان والحكومة الوطنية الائتلافية ، وسيطرة الشعب ، والقومية ، كلها مصطلحات براقة جميلة يسهل تقليبها يمنة ويسرة والتلاعب بها كيفما شاء اللاعب ، وتصلح كلها طعوماً جيدة لأي صياد أراد أن يجعل البحر ” تكيّة ” له ، ولكنّ الصياد هنا عسكري .. تصطدم كل تلك المصطلحات بميولاته وتوجهاته التي لا تعترف إلا بـ افعل ولا تفعل ، قم ولا تقم ، التي لا تعرف سوى ( احترام ) الرتبة وتوقير القيادة حتى وإن دعت من تحتها إلى الإشراك بالله ما ليس له به علم .

 

 

ولكن المجتمع في تلك الظروف كان قد تعطش لتلك المصطلحات .. فما العمل ؟

 

 

لا بأس .. داعب أحلام الجماهير وأعلن أنك قمت أصلاً لجعل تلك المصلطحات واقعاً يعيش فيه العامّة .. ثم عندما يتحقق لك ما تريد , لا بأس من التلاعب ببعضها ، وتغيير المصطلحات قليلاً ..

 

 

وبالفعل شكل جمال عبدالناصر ما عرف باسم ” الجمعية التأسيسية للضباط الأحرار ” كمثال حي أنه يفعل ما يعد به حتى داخل تنظيمه الخاص ، بل وكان من أعضاء تلك الجمعية أعضاء من كل الطبقات والأحزاب والميولات ، منهم الإخواني والوفدي والأرستقراطي والبورجوازي والشيوعي ، وانتخب رئيساً لتلك الجمعية بالإجماع ، ليهمّش دور كل هؤلاء وتصبح للعسكر اليد الطولى بمباركة الجميع في ذلك التنظيم الذي سيغير شكل مصر .

 

 

وفي كل المحافل، دعا الضباط الأحرار إلى نبذ الملكية التي تمالئ الاستعمار ، والتطلع للنظام الجمهوري الذي تسير به كل الدول الأوروبية المتطورة التي لا تقل مصر غنى ولا ثروة ( أيامها ) عنها .

 

 

وبذلك تشكل الرأي العام الذي قرن كلمة ” ضباط أحرار ” بكلمة ” أمل ” لدى الجماهير، وكان للجيش الغلبة حينئذ وكان له ما أراد .

 

 

 

 

القاعدة الثالثة : ألق الحجر في الماء الساكن حتى يتسنى لك الاختيار وأنت تصطاد

 

حتى تحكم سيطرتك كمنقذ للبلاد والعباد في عقول الناس ، لابد أن تقنعهم دائماً أن كل بديل سواكَ لن يجلب لهم الراحة .. أنت وحدك تمتلك الاستقرار !

 

 

قبيل ضربة الضباط الأحرار القاضية في 1952 .. بدأت بتغييرات قوية في المشهد ، فتلك محاولة اغتيال يتعرض لها حسين سري عامر المقرب للملك ،وحدث ما حدث في الاسماعيلية من مقتل ما يقرب من أربعين شرطياً مصرياً على يد الانجليز ، ولعل الأبرز كان أن اشتعلت القاهرة في 25 يناير 1952 ومات ما يقرب من 76 شخصاً ، في حادث ظل الأكثر غموضاً في التاريخ المصري الحديث ، وتلك عادة الامور المحورية التي يتم التعتيم عليها !

 

 

كان لحريق القاهرة ذاك أبلغ الأثر في تغير الوجه الشعبي الذي صار مهيأ تماماً الآن لنبذ أي فكرة غير فكرة القبضة الأمنية التي ينتظر الضباط الأحرار أن تتبناها الجماهير ثم ينقضوا للسيطرة على كل شيء .. كان الحريق كفيلاً بأن يحرق أية شعبية لأحد على الساحة إلا شعبية الضباط الأحرار ( الأقوى ) ، ( الأذكى ) ، ويعتبر الوفديون حريق القاهرة ذاك تاريخاً أسوداً حيث أنه تزامن بالنسبة لهم مع انتهاء أسطورة مصطفى النحاس معشوق الجماهير ، فقد صار الجيش المعشوق الأوحد !

 

 

لم يكن الضباط الأحرار بذلك الغباء، إذ لم يتخلوا عن القوى السياسية بدء، والتي سمعت الضباط الأحرار مراراً وتكراراً يتحدثون بلغة المصطلحات البرّاقة كسيطرة الجماهير، والديمقراطية، وغير ذلك.

 

 

فلم يخرقوا القاعدة الثانية ، ولم يكفوا عن مداعبة أحلام الجماهير .

 

 

تحرّك الجيش حينها للاستيلاء على الحكومة ، وأعلن للجماهير أن هدفه ليس تثبيت نفسه بها ، وإنما وضع حجر الأساس للنظام البرلماني الديمقراطي .

 

 

 

القاعدة الرابعة : حتى تتحقق لك السيطرة .. كن الفعل .. واترك الجميع ردودَ فعل !

 

في 23 يوليو ودون سابق مقدمات ، سيطر الضباط الأحرار على مراكز الشرطة والمباني الحكومية وكافة المنشآت الحيوية المصرية ، وأهمها مبنى الإذاعة المصرية .. والذي أعلن فيه محمد أنور السادات البيان الأول للضباط الأحرار مسئولية الضباط الأحرار عن تلك ( الحركة المباركة ) ، وكان نص البيان كالآتي :

 

 

“اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون المغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين.وأما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش وتولى أمره إما جاهل أو خائن أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا،

 

 

 

وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم، ولابد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب.أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين، فهؤلاء لن ينالهم ضرر، وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب.وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح المواطن في ظل الدستور مجردا من أي غاية، وأنتهز هذه الفرصة فاطلب من الشعب الا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف، لأن هذا ليس في صالح مصر وأن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل، وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال،

 

 

 

 

وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاونا مع البوليس.وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم ويعتبر الجيش نفسه مسئولاً عنهم.والله ولي التوفيق”

 

 

وكانت تلك الضربة القاصمة التي بادر بها الضباط الأحرار ، والتي حظيت بدعم شعبي واسع النطاق حتى توافدت آلاف الجماهير إلى الشوارع دعماً للحركة المباركة ، أو ( الثورة ) المباركة كما سيكون تسميتها فيما يتلو من أيام .

 

 

ضرب الجيش ضربته القاضية ، والآن الجميع ردود فعل .

 

 

والواقع ألا رد فعل مصري عارض تلك الحركة ، لأن أي شيء أهون من الاستعمار ، وكانت ردة الفعل المرتقبة من الملك الذي لم يطل المقاومة ، فما هي إلا أيام ثلاث من السيطرة العسكرية على المنشآت والتأييد الشعبي العارم ، هرب بعدها الملك إلى إيطاليا ، وأعلن تولية الأمر لوليّ عهده الذي كان حينها طفلاً ! فاستتبّ الأمر للجيش .. وفي18 يونيو .تم إعلان قيام الجمهورية.

 

 

استتبّ الأمر تماماً للذكيَ الوحيد القوي الوحيد ، نجح مسعى أعوام من التخطيط ، والآن معك القوة ، السلطة ، التأييد الشعبي ، تأييد القوى السياسية .

 

 

 

القاعدة الخامسة : لا يهم من يحكم ، المهم أن تحكم أنت !

 

من البداية ضمّ الضباط الأحرار في مجلس قيادتهم ، اللواء محمد نجيب ، الجنرال ذي التأييد الشعبي العارم، والذي كان أحد من أبلوا بلاء حسناً في حرب فلسطين ، وكان أعلى الضباط الأحرار رتبة، فهو اللواء الوحيد وسط العديد من العقداء والمقدمين ومن هم أقل رتبة .

 

 

فإن كان هناك مجال للحكم الصوري في شكل رئاسة جمهورية، فلا بأس أن يكون محمد نجيب الذي يحظى بالتأييد العارم هو المختار لتلك المهمة ؛ فالغطاء الشعبي ضروريّ لا شك.

 

 

ومن هنا كان أول رئيس بعد حركة الضباط الأحرار .. هو اللواء محمد نجيب ذي الشعبية العارمة.

 

 

القاعدة السادسة : إذا خالفك أحد من معك في أهدافك، اطرده خارج اللعبة !

 

الظاهر أن محمد نجيب كان مقتنعاً بالمبادئ التي قامت ( الحركة ) من أجلها، من مبادئ ديمقراطية وبرلمانية تعلي قيمة الجماهير ، ظهر ذلك في ميولاته وتوجهاته ، وظهر في القرارات الأولى التي أخذها ، كما ظهر في تواصله مع قادة القوتين الكبريين على الساحة السياسية بعد الجيش ، وهما الإخوان والوفد .

 

 

والظاهر أن مجلس قيادة الثورة وعلى رأسه جمال عبدالناصر الذي كان نائباً لرئيس الجمهورية آنذاك .. لم يعجبه هذا التوجه فبدأت اجتماعات مجلس قيادة الثورة دون محمد نجيب ، وبدأت القرارات تصدر دون معرفته ، وبدأ الرجل يحس أنه مجرد واصي شكلي لباطن السيطرة العسكرية من قبل الضباط الأحرار وعلى رأسهم نائبه في الرئاسة جمال عبدالناصر كما كتب في مذكراته ، فتقدم باستقالته من مجلس قيادة الثورة ، وقبلت سريعاً.

 

 

 

 

 

 

 

قبل أن ينقلب جمال عبدالناصر بضباطه الأحرار عليه تحت معارضة شعبية ، ثم يعودوا لما نهوا عنه ، ثم يكرر الضباط الأحرار الفعلة ويؤكدونها في أحداث لا مجال لذكرها سوى أنها انتهت بوضع محمد نجيب تحت الإقامة الجبرية في ظروف بالغة السوء ، وصار مجلس قيادة الثورة المسيطر على البلاد .

 

 

 

بدأ الضباط الأحرار بقيادة عبدالناصر، بتشويه كل المبادئ التي قامت ( الثورة ) لأجلها ، فتم قمع تظاهرات عام 1954 كانت تطالب بعودة نجيب ، كما لقي ثمانية طلاب شيوعيين مصرعهم تحت غطاء حفظ الاستقرار الوطني الذي يكدره الشيوعيون، ومارس الضباط الأحرار صلاحيات دستورية كان منها الانقلاب الدستوري الشهير في 1954م، انتهى شهر العسل !

 

 

وسط كل هذا لابد من حدث جلل يعيد العملية لسياقها ، لابد أن يبلغ التلميع منتهاه ، لابد أن يعود ميزان القوى وميزان التأييد، وكان ذلك هو مفتاح القاعدة السابعة !

 

 

 

القاعدة السابعة : اصنع الحدث .. ثم تباكى !

 

في أكتوبر 1954م كان عبدالناصر رئيس مجلس قيادة الثورة والحاكم الفعلي للبلاد دون أن يكون ” رئيساً للجمهورية ” يلقي خطاباً للجماهير في المنشية بالاسكندرية ، قبل أن يقترب مقترب مطلقاً النار عليه وسط الخطاب من مسافة لا تزيد في أقصى التقديرات عن ثمانية أمتار، دون أن تصيبه منهم طلقة واحدة، قبل أن يلهم الله عز وجلّ عبدالناصر الفطنة الرشيدة فينزل تحت المنصّة التي يتحدث منها ، وسط هرج ومرج شديدين في المكان .

 

 

قبل أن يلقي عبدالناصر بكلماته الخالدة من وضعه تحت المنصّة قائلاً .. ” فليبق كل في مكانه أيها الرجال، فليبق كل في مكانه أيها الرجال، حياتي فداء لكم، دمي فداء لكم، سأعيش من أجلكم، وأموت من أجل حريتكم وشرفكم، إذا كان يجب أن يموت جمال عبد الناصر، يجب أن يكون كل واحد منكم جمال عبد الناصر، جمال عبد الناصر منكم ومستعد للتضحية بحياته من أجل البلاد ” .

 

 

حظي عبدالنّاصر بعد تلك الحادثة بتأييد شعبي واسع النطاق ، بل وبتأييد عالميّ .. وتناسى الجميع بوادر الديكتاتورية التي انقلب بها الضباط الأحرار على المبادئ التي أعلنوها للجماهير والتي لم يجن الجماهير منها سوى النزر اليسير ، وعاد الأمر مستتباً لعبدالنّاصر مرة أخرى ، الحاكم الفعلي للبلاد التي ليس بها رئيس جمهورية ، وصارت الكرة في ملعب عبدالنّاصر ليستخدم الحادث كيفما شاء ، وليصفي به ما شاء من خصوم .

 

 

وكان اختياره .. الإخوان المسلمون.

 

 

الإخوان المسلمون الذين دعموه منذ أسس الضباط الأحرار وقد كانت جمعية بعد حرب فلسطين ، ودعموا تحركاته ، وقادوا المظاهرات التي نزلت تؤيد حركة 1952 ، ومن ثمّ لم يعارضوه في أيّ من القرارات التي اتخذها بعد ذاك ، ولم تجعلهم مناصرة محمد نجيب يشقون عصا الطاعة على عبدالناصر ، فقد كان الأقوى ، لكن أمنهم وأمانهم زاد من تنامي تيارهم شعبية وعدداً ، وكان هذا أخطر الأخطار التي أحس بها عبدالنّاصر .

 

 

وتم القبض على عدد كبير جداً من شباب وقيادات الإخوان المسلمين ، وتحت وطأة التعذيب ، اعترف المتهم الثالث ” خليفة عطوة ” أنه قام بالعملية بناء على تعليمات ” عبدالقادر عودة ” القيادي الشهير بالجماعة حينئذ ، والذي تمّ إعدامه ، ولم يعدم خليفة !

 

 

وبدأت حملة واسعة جداً لاعتقال وتعذيب الإخوان المسلمين ومصادرة حقوقهم وأموالهم استمرت طيلة فترة حكم عبدالنّاصر .

 

 

الحدث الآخر كان العدوان الثلاثي الذي دكّت فيه مدن القناة الثلاثة ، واستفاد عبدالناصر من انسحاب القوات الثلاثية في زيادة شعبيته كمقاوم للاستعمار .. بجانب الإسهامات المتعددة التي ساهم فيها عبدالناصر بعدما تولى سدة الحكم رسمياً كرئيس جمهورية في نجاح التحركات الشعبية بالجزائر واليمن وجنوب إفريقيا ، وبشعار ” القومية العربية ” الذي رفعه ، وبكلماته التي حفرت في أذهان المصريين والعرب جميعاّ مثل ” ارفع رأسك يا أخي ”  .

 

 

وصارت مصر الآن تحت يد رجل واحد، ومؤسسة واحدة، ودانت السيطرة للجيش على كافة الأصعدة، وانطلقت الأغاني تمجد عبدالنّاصر ، وصار مدح ناصر مدحاً للوطن، وذمّه ذمّاً للوطن، وصارت مصر مأوى لبشر لا ينامون قبل أن يسبحوا بحمد عبدالنّاصر صباح مساء !

 

 

 

 

 

وللتكيّة .. بقيّة !

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد