في مجتمعات التخلف والبلادة، نادرًا ما تجد أذكياء يتنافسون، بل هم طامعون كثر، وذكيّ واحد.

 

الذكيّ الواحد، يعرف حدود قوته، ويعرف كيف يستغلها، ويعرف كيف ينال المصلحة، وكيف يأكل الكتف، وكيف يتفادى أكلها، وماذا يفعل بعد أن تؤكل، يؤمن ألا خطوة يجب أن تمر دون جدوى، كما يؤمن بأن الجدوى لن تكون جدوى إلا إذا بلغ تأثيرها أعلى الدرجات.

 

وحينما يصبح الذكيّ الوحيد، هو القويّ الوحيد، فويل للمنافسين، وويل للطامعين، يحيلهم ذاك الذكيّ القويّ إلى مجرد عساكر وطابيات وفيلة وفرسان على رقعته، وأحيانًا وزراء وملوك!

 

رزحت الشعوب العربية طويلًا تحت براثن المستعمر الأوروبي منذ منتصف ونهاية القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، تحت اتفاقيات ومعاهدات دولية ذات بنود كـ “برلين، وسايس بيكو، وبلفور” وكل ما شابه من أنماط وطدت التواجد الاستعماري في تلك البلدان.

 

تعلم حضرتك وأعلم أنا ويعلم الطفل في المدرسة، أن الشعوب العربية تخلصت من المستعمرين بثوراتها المجيدة.

 

فالجزائر أنهت الاستعمار الفرنسي الطويل، والمغرب استبدلت الاستعمار بملكية غير ذات أنياب، واصطلح الشعب معها، و(تحررت) كل من ليبيا واليمن والعراق وسوريا بتحركات (عسكرية) دعمتها الشعوب فأطلق عليها لفظ (ثورات) على عكس المصطلح الأكاديمي الذي نعلمه جميعًا عن معنى تلك الكلمة.

 

مصر.. أم الدنيا

كانت ترزح تحت براثن المستعمر الإنجليزي من ناحية، والوصاية الملكية من ناحية أخرى. تدار بها الأمور من فوق بمباركة تلك الأيدي، بينما يترك الشأن الداخلي مادة للاقتتال بين حكومة مدنية، وقوى وأحزاب تتفاوت قوتها الشعبية على رأسها الإخوان المسلمون وحزب الوفد، وشعب لا شأن له بكل ذاك، غير أنه يحب النحاس باشا لأنه رجل (ذوق).

 

وضع سياسي داخلي مهترئ لأهم دول المنطقة جمعاء.

ومجتمع لا يجد يدًا تحنو عليه غير النحاس باشا مكتوف اليدين، بينما الأمور كلها تدار من المحتلّ ومن الملك، الذي كان الناس منبهرين به أيضًا، في تجسيد تام لنظرية “الصيت ولا الغنى” التي شربها ذلك الشعب منذ نعومة أظفاره لبنًا خالصًا من صدور الأمهات.

 

في غمرة كل هذا، كان مكون رئيسي من مكونات الأمم المتخلفة التي كانت مصر ولا تزال أحدها مستترًا وراء الكواليس ينتظر اللحظة المناسبة للخروج للجمهور بطلًا خارج خط سير المسرحية تمامًا.

 

الجيش!

في تلك المجتمعات المتخلفة ينتظر كل السمك ذلك الصياد الماهر القوي الذي حينما يظهر تصبح أقصى أمنيات السمك أن يتم اصطياده، وقد كان الجيش في مصر أذكى صياد، وهو بطبيعة الحال الأقوى.

 

ولنستعرض ثانية حالة المجتمع قبل أن ترتفع كلمة “الضباط الأحرار” في عنان السماء، وقبل أن تبدأ سنين طويلة من التعلق طوعًا وكراهية بالأذهان المصرية.

 

مصر بين محتلّ ملّ من السيطرة العسكرية، وصار مستنزف ثروات وعقول وموجه أفكار، مع بعض السيطرة العسكرية التي أيقن أنها لن تؤتي أكلها بعد سنين طويلة من القمع العسكري، وبين ملك غير ذات شوكة يتلاعب به الاحتلال، وليس للعامة مشكلة معه.

 

وحكومة مصرية مكتوفة الأيدي لا تستطيع طولًا وسط ذلك الركام، وعامّة تغيرت جيناتهم وتم تهجينهم (كما يحلو لأحد أصدقائي القول) على يد محمد عليّ باشا، ولا زال التهجين ساريًا إلى يومها، جلّ اهتمام هؤلاء العامّة أن يجدوا ما ينفقون، فقد اعتادوا ألا حياة لمن تنادي، فتوقفوا عن النداء، وأحزاب سياسية تدعي السيطرة على الشارع، في مقدمتها الإخوان المسلمون وحزب الوفد الذي يترأس الحكومة.

 

وجيش! جيش ملّ من هذا كله وحان بالنسبة له وقت السيطرة.

فعندما تكون أنت القويّ الأوحد بين المصريين، وكذا الذكيّ الأوحد، الذي يعرف من أين تؤكل الكتف تمامًا، فإن مسألة ظهورك على الساحة كمسيطر قد صارت مسألة وقت لا أكثر.

 

وبدأت البوادر حين كانت حرب فلسطين، ولا داعٍ لذكر التفاصيل فليست من الاختصاص، وأرسل الملك فاروق الجيش المصري إلى الحرب دون تسليح يذكر، وحزّ الأمر في نفسية قيادات الجيش المصري الذي كان مسئولًا عن تأمين مدينة “الفالوجة”، وهزم الجيش المصري هزيمة نكراء، وطلب الملك الجلوس للتفاوض مع الصهاينة، وانتهى الأمر بتسليم الفالوجة للصهاينة.

 

ثارث ثائرة قيادات الجيش وعلى رأسهم البكباشي جمال عبد الناصر الذي خاض الحرب وكان قائد القوات المصرية التي كانت مسئولة عن تأمين “الفالوجة”، ولم يرضوا بالجلوس للتفاوض، وبالطبع لم يرضوا بالتسليم، فكانت تلك هي شعرة معاوية التي انقطعت بين الجيش وبين الملك.

 

لكن الوقت حينها لم يكن مناسبًا للانقلاب، الضربة في ذلك الوقت إن لم تصب وقعت وقعة لا قيام بعدها، فلا بد للصياد أن يحكم صيده، ويقوي سنارته، ويختار سمكه، وألا يستعجل الصيد.

 

ومن ذلك الحين بدأت المعركة الناعمة، معركة تهييج مشاعر الجماهير المتعطشة لكلمة “حرية”، وكان أولها أن كان الضباط “أحرارًا”، الكلمة نفسها كفيلة بأن تمنح التأييد الشعبي لكل من يستخدمها، مع جماهير لم تعد تريد سوى أن تعيش حرة، بعدما غيّب ذلك المصطلح داخلها، ولكنّها لم تنس ضمن إطارها العربيّ الذي عاش حرًّا دهرًا طويلًا.

 

ومن هنا انبثقت القاعدة الأولى في عملية تغيير المشهد تمامًا تغييرًا طويل الأمد محكمًا، تغييرًا لم يكن مقصودًا منه تلك السنوات القليلة التي ستتبع سقوط الملك وإنهاء الاحتلال، بل استهدف سنين طويلة لمستقبل بلد قدّر له ألا يرى غير العسكر حاكمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد