تمهيد

ليس أصدق من شهادة من تعلّم واستفاد من سياسات ثورة يوليو (تموز) 1952، ورأى أن الثورة أفادت فقراء هذا الوطن عن بكرة أبيهم وأتاحت لأبنائهم الوصول والنفاذ لأعلى وبمختلف المجالات، والأصدق أن سياسات التمكين لفئات، والإقصاء لطبقة أخرى، كانت وليدة المرحلة الزمنية وأسيرة تاريخ سيطرت عليه عاطفة ثورية لا نعي تفصيلاتها جيدًا، ولا نراها إلاّ عبر رؤى المؤرخين وتحيزهم الفكري ما بين طرفي نقيض، فمنهم مؤيد لدرجة الدروشة السياسية، وآخر كاره لدرجة التكفير، وتظل الحقيقة دون النظر بكثير .

ضرورة

ونجزم بصعوبة تقييم حدث أو أحداث تمت في خمسينات وستينات القرن العشرين، وفق اتجاهات ومتغيرات الحاضر الآني.

فقد انتهى إلى غير رجعة زمن الثورات ضد الاستعمار وأحلام الرقي والتقدم، والفكاك من سيطرة وهيمنة الغرب، لحسابات أخرى تخضع لتقدير المؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد والبنك الدوليين.

انتهت إلى غير رجعة فكرة الزعامات الكاريزما المؤهلة ثقافيًا وسياسيًا، لأخرى أقرب ما تكون لفقه وفكر الموظفين، كاريزمات مصطنعة لا لون ولا طعم ولا رائحة لها، مسخّ مشوّه أو أقرب لذلك، تخضع لتوجهات الخبراء والأكاديميين ومن لفّ لفّهم من أصحاب المصالح.

لدينا الآن قيادات تسير وفق كاتالوجات لا تخرج عنه وإن فعلت، كانت مثار سخرية مريرة، وربما خروجها عن السيناريو والكتالوج يقع ضمن باب الترفيه عن الناس.

ناصر كان كاريزما لن تتكرر، ولا يمكن لأحد أن يدعيّ الآن ارتداء جلباب ناصر؛ فالمقاسات والهمم تباينت كثيرًا، كما اختفت فكرة قيادة العقل إلى الشكل والمظهر والأقدمية.

صناعة الرمز

أُنادي عليكَ.. أبا خالدٍ
وأعرفُ أنّي أنادي بوادْ
وأعرفُ أنكَ لن تستجيبَ
وأنَّ الخوارقَ ليستْ تُعاد…

ونعلم أن أفضل وأجمل وأكذب أشعار  نزار تلك التي قالها رثاء في وفاة ناصر. وعبد الناصر، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا عليه، يبقى حاضرًا في القلوب والأفئدة شاخصًا تراه البصائر قبل الأبصار، فنقاؤه الثوري، كان سمة فريدة اتبعته حيًا وميتًا.

كسب حب عشرات الملايين بأرجاء الوطن العربي وأضحى في زمانه أيقونة للحركات التحررية بالعالم البائس النامي، كما اكتسب عداوة كثيرين بالداخل والخارج.

استفادت منه الطبقة الوسطى والفقيرة فرفع بسياساته طبقات بعضها فوق بعض رغبة في إتاحة الفرصة للمهمشين والفقراء بالوطن في الوصول للموارد والخدمات، كأنه فتح لهم أبواب الرزق والسعادة والتطور التي كانت مغلقة دونهم.

في بدايات عهده تغيّرت الخريطة السياسية والاجتماعية بصعود أبناء الفقراء لكافة مناصب الدولة بجهد منهم وبتمكين من سياساته ( التي أتاحت لأبناء الفقراء من الوصول للتعليم بمستوياته المختلفه وبخاصة الجامعي وما علاه .. )

لقد خرج علينا أحد الوزراء مؤخرًا، منددًا بمجانية التعليم والرعاية الصحية الناصرية وعزا ما نعانيه الآن لما فعلته هذه المجانية بمصر، متجاهلًا أنه وجميع السادة المسئولين ومنذ عشرات السنين هم نتاج لتلك السياسات، والمستفيدون الأكبر وأهليهم وأقاربهم منها، وعلى أيديهم ضاعت نتائج تلك السياسات وضاع الفقراء من ورائهم.

من أسف أن هؤلاء لم يحفظوا العهد ولم يكونوا على قدر المسئولية في تمكين بني جلدتهم فيما بعد من الوصول للنعمة كما فعل ناصر معهم فتغوّلوا بعد شظف العيش وتكبّروا بعد جوع فمنعوا غيرهم بسياسات وضعوها بعد وفاته أسهمت في عودة الفقر المدقع بصورة أكثر توحشًا مما كانت أيام الملكية.

فلم يعد في مصر تعليم ولا صحة ولا خدمات ترقى بمستوى البشر ولا تُقارن بتلك الموجودة في بلدان مجاورة، والتي كان يفرق بيننا وبينهم مسافات شاسعة من التحضر والنمو.

فقط أصبح في مصر وعلى أيدي أبناء وحفدة فقراء الخمسينات والستينات، تمييزًا في كل شيء، وغابت العدالة الاجتماعية بصورة قاربت نظام الأبرتهايد وأصبح الحلم بها أقرب لأحلام اليقظة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد