تمر علينا ذكرى حادثة إحراق المسجد الأقصى المبارك عام 1969م، لتذكرنا بمآسينا التي نعيشها في العالم العربي والإسلامي، وتحرق القلوب ألمًا وحزنًا على هذا الحال، فلم يعد هناك من ينصر المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين إلا من رحم ربي، والقدس تئن وفلسطين تتألم من بطش الغاصبين المحتلين، والأمة العربية والإسلامية في أسوأ وأردى حالاتها، ليس في هذا الوقت فقط بل ومنذ زمن وحين.

في هذه المناسبة المؤلمة يصطدم بالبال ما قالته جولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية في الوقت ذاك التي تحدث في مذكراتها عن تلك الحادثة قائلة: «لم أنم ليلتها وأنا أتخيل كيف أن العرب سيدخلون إسرائيل أفواجًا أفواجًا من كل حدب وصوب، لكني عندما طلع الصباح ولم يحدث شيء أدركت أن بمقدورنا أن نفعل ما نشاء فهذه أمة نائمة».

لم تكن هذه المرة الأولى التي أتذكر فيها إلى تلك الكلمات في هذه الذكرى المريرة، ولم تكن المرة الوحيدة التي أشعرتني بالإحباط والضعف، ولكنها في هذه المرة أثارت انتباهي لعددٍ من التساؤلات تسللت إلى داخل عقلي أو قل قلبي الذي يتضرع ألمًا على حال أمتنا الإسلامية.

تُرى لم وصفت أمتنا بالنائمة ولم تصفها بالميتة؟؛ هل كان الأمر عفويًا أم أنها تعلم جيدًا أنها أمة لم ولن تموت؟، هل فعلًا تعلم بأن الأمة إن استيقظت من سباتها لن تبقى دولتها المزعومة على تراب أرضنا الطاهرة؟، هل فعلًا أمتنا تزرع الرعب في قلوبهم حتى وهي نائمة؟!

ولكن لماذا؛ أو متى نامت هذه الأمة أو بدأت إرهاصات نومها؟؛ هل نامت عندما كانت الأمة كالجسد الواحد يشد بعضه بعضًا أم نامت عندما تشتت وتقطعت أوصالها؟، هل نامت عندما كانت متمسكة بدينها وعقيدتها أم عندما حاولت خلع ثوب الدين من حياتها؟، هل نامت عندما كان رجالها يتملكهم الطرب والاهتزاز والأريحية على صهوات الجياد في ساحة الجهاد أم عندما أصبحت أقصى أمنياتهم مشاركة في برنامج غنائي أو في كذا وكذا من سفاه الأمور؟، هل نامت الأمة عندما كانت نساؤها تعتز بحشمتها والتزامها أم عندما أصبحت ثقافة التعري والانحلال متغلغلة في أفئدة نسائها؟، هل وهل وهل؟!

لقد تشتت الأمة وتقسمت إلى أشكال وألوان عديدة لا تعد ولا تحصى، ولكننا نلحظ اليوم في العالم الإسلاميّ سطوع نجم تيارين متضاربين لا أجد تفسيرًا لوجودهما سوى تلك الحالة من فقدان الهوية والذات؛ تيارٌ يرى في الموت والقتل والدمار أسلوبًا مثاليًا للحياة!، وآخر يرى في نبذ تاريخه وحضارته وثقافته واستيراد أفكاره من الغرب والشرق ضالته التي يبحث عنها.

لست ممن يدعو إلى الانغلاق على الذات ونبذ العالم الآخر، ولا ممن يرفض أي وافد من الغرب أو الشرق أو غيرها، بل أدعو إلى الاعتزاز بالذات العربية والإسلامية، والأخذ من الحضارات والثقافات الأخرى بما يتناسب مع طبيعتنا الفكرية والثقافية وطرح ما دون ذلك، وأدعو إلى فهم روح الفكر والفلسفة الإسلامية على أصولها الحقيقية دون تزييف وتضليل، لا أرغب التطرف الفكري ولا أحبذ الانحلال الفكري أيضًا.

لا أعلم إلى متى سيستمر هذا الحال على هذا المنوال، فإذا نظرنا إلى أتباع التيارات الفكرية المتشددة لا نجد سوى عقل متحجر متصلب لا يرى إلا نفسه وفكره صوابًا؛ لذلك تصعب عملية مناقشته بالتغيير والتبديل للوصول إلى الوحدة العربية والإسلامية المبتغاة.

ولكن ينتابني شعور بالفضول لفهم سبب حالة التيه والفقدان الذاتي التي يعيشها بعض المثقفين الذين يدعون إلى انتساخ تجارب وأفكار الشعوب الأخرى ولصقها داخل عقول أبناء الأمة الإسلامية تحت ذرائع لا يقبلها العقل ولا المنطق.

فالتطور والتحضر والحداثة والحرية والمساواة والعدالة هي مبرراتهم في إقناع أبناء الأمة الإسلامية للعزوف عن ثقافتها الإسلامية وانتهاج المنهج الغربي! ولكنني لا أدري هل الإسلام يدعو إلى غير تلك الأفكار؟!، هل الإسلام والثقافة الإسلامية تزجر الحضارة والتطور والعلم والإنجاز والإبداع؟!، هل الإسلام ينبذ الحرية والعدالة والمساواة؟!، هل الإسلام وُجد للتعبد والصلاة والصيام والحج فقط؟!، أليس الإسلام منهجًا للحياة؟، أليس الإسلام حضارة وثقافة؛ دينا ودولة؟

إلى متى سنبقى في هذا النوم والسبات العميق؟ إلى متى ستبقى حالة التيه والفرقة تلك؟ إلى متى سنبقى نلهث وراء الشرق والغرب وننسى ذاتنا وحضارتنا وثقافتنا؟، متى سنقتنع أننا قومٌ أعزنا الله بالإسلام؛ فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد