عرف العالم في الآونة الأخيرة مصطلح المجتمع المدني كمحور دراسة واهتمام كبيرين كأحد المفاهيم الأكثر شيوعًا في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة، والواقع أن انتشاره مرتبط بتحولات عميقة شهدها العالم في هذه الفترة، لا سيما تلك المتعلقة بالمجتمعات والاهتمام بدور الفرد في تحقيق أهداف مشتركة بمعية الدولة.

في الجزائر مصطلح المجتمع المدني عرف منذ زمن بعيد، لا سيما مع ميلاد الحركة الجمعوية باعتبارهما أكثر العوامل المعبرة عن قيام المجتمع المدني بمختلف تشكيلاته، وكانت بمثابة المناخ الممتاز لقيام هذا المفهوم في المرحلة التي أعقبت الانفتاح السياسي الذي شهدته البلاد وبعد إقرار دستور عام 1989، فقد جرى إصدار قانون الجمعيات 90/31 المؤرخ في 4 ديسمبر (كانون الأول) 1990، والذي عرّف الجمعية في أحكام المادة الثانية بكونها «اتفاقية» تخضع للقوانين المعمول بها، ويجتمع في إطارها أشخاص طبيعيون ومعنويون على أساس تعاقدي، ولغرض غير مربح.

كما يشتركون في تسخير معارفهم ووسائلهم لمدة محددة، من أجل ترقية الأنشطة ذات الطابع المهني، والاجتماعي، والعملي، والديني، والتربوي، والثقافي، على وجه الخصوص، بل إن وجودها كان ولم يزل ضروريًا لتطوير المجتمع المدني، وهذا ما أكده دستور الجزائر 2020 – لأول مرة – على أهمية المجتمع المدني، بداية بالديباجة التي أشركت الجمعيات النشطة في تسيير الشأن العام وحظي المجتمع المدني بأهمية بالغة، بحيث جرى تخصيص في سابقة دستورية – ست مواد حول دور المجتمع المدني وإبراز مكانتة القوية، مع التأكيد على مؤشرات عديدة لمراهنة السلطة على المجتمع المدني في المرحلة القادمة» وخير دليل هو الإسراع في تنصيب فوج العمل المكلف بأعداد النصوص التنظيمية التي ستشكل المرصد الوطني لأجل ترقية دوره على مختلف الأصعدة والشؤون التي تهتم بالقضايا الوطنية والمجتمعية على حد سواء. وهو ما سيضفي طابع الرسمية على معاملاته.

كما أصبح المجتمع المدني اليوم بعد تأسيس المرصد فاعلًا أساسيًا لا يستهان به في تحقيق الديمقراطية التشاركية، وتكريس مبدأ الرقابة الشعبية، للمساهمة في صناعة التنمية الوطنية الشاملة.

وبعدما اقترنت الإرادة السياسية من طرف أعلى هرم في السلطة ممثلة في السيد رئيس الجمهورية مع إرادة الحركة الجمعوية، ونشطاء للعمل الجمعوي، بات من الضروري أن يستعيد المجتمع المدني تحكمه في زمام الأمور قصد إضفاء حركية على المجتمع، وهو التزام ثابت ووعد محقق جاء ضمن العهدات 54 لرئيس الجمهورية، حيث دعا إلى تشييد مجتمع حر وناشط، كفيل بتحمل مسؤولياته على غرار السلطة المضادة وأداة الدعوى العمومية في خدمة المواطن والأمة.

وتعهد حينها بتنفيذ «خارطة طريق خاصة بالشباب» من أجل تحضير هؤلاء إلى تحمل مسؤولياتهم السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية. وهذا يأتي ضمن المقاربة الجديدة لرئيس الجمهورية التي تستند إلى التشاور مع المجتمع المدني بكل مكوناته بهدف تكريس الديمقراطية التشاركية في ظل الشفافية وإشراك الحركة الجمعوية لبلوغ «وتكريس مناخ الثقة بين فعاليات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة أهداف التشاركية المنشودة، هذه الأخيرة أضحت جلية بعد الإعلان عن رئيس المرصد الوطني للمجتمع المدني، بحيث سيجعل المجتمع المدني شريكًا لمؤسسات الدولة في تسيير الشؤون العامة.

مع التحديات المطروحة اليوم، والتي تشكل هاجسًا كبيرًا أمام المجتمع المدني، لا سيما أزمة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة بسبب الممارسات السابقة، فإن أكبر تحد قد يواجه المرصد اليوم هو استرجاع الثقة المفقودة بين مكونات المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية، وهي مهمة ليست مستحيلة في ظل وجود قيادة حكيمة تتميز بخبرة طويلة في هذا المجال، كما سنتابع ونساهم من موقعنا في إثراء العمل الجمعوي، كما كنا من قبل، والجميع اليوم مدعو إلى المساهمة في إنجاح هذه الهيئة المستحدثة؛ لأن لها دلالة مهمة جدًا عن مدى تجاوب المجتمع الجزائري مع المبادرات الرسمية وآليات إنجاحها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد