أمضى رئيس الحكومة التونسية، الطاهر بن عمار، مع الساعة الخامسة وخمس وأربعين دقيقة من يوم 20 مارس (آذار) 1956 مع وزير الفرنسي كريستيان بينو اتفاقيات الاستقلال التام بحضور عديد من الأعضاء من الوفد التونسي. وقد رجع الوفد التونسي المفاوض إلى البلاد يوم 24 مارس 1956 برئاسة الطاهر بن عمار، وتم استقبالهم وسط حضور شعبي كبير لتحقيق حلم كل التونسيين بالاستقلال التام.

وبعد إمضاء هذا البروتوكول، وقع إلغاء العمل نهائيًّا بمضامين معاهدات الاستقلال الداخلي الذي أمضي في 3 يونيو (حزيران) 1955، تلك الاتفاقيات التي تسببت في تقسيم التونسيين إلى شقين، الشق اليوسفي والشق البورقيبي.

وبعد تحقيق هذا الحلم، سارع التونسيون إلى إجراء انتخابات مجلس قومي تأسيسي تتمثل مهمته في إعداد دستور للبلاد في ظل النظام الملكي حسب الأمر العلي الصادر في 29 ديسمبر (كانون الأول) 1955. ولا يحق لهذا المجلس حسب هذا الأمر تشكيل الحكومات أو التدخل في نظام الحكم للمملكة التونسية حسب الفصل الأول من الأمر العلي التي جاءت صيغته على النحو التالي: «يقع استدعاء مجلس قومي تأسيسي يوم 8 أبريل (نيسان) 1956 لسن دستور لمملكتنا».

وقد قاطع اليوسفيون انتخابات المجلس القومي التأسيسي رفقة الحزب الحر الدستوري القديم. وسارعوا إلى حث التونسيين بعدم التصويت لأن هذه الانتخابات في اعتقادهم محسومة لصالح الحزب الحر الدستوري الجديد ولحلفائه «الجبهة القومية» قبل يوم الاقتراع.

وجرى إجراء الانتخابات يوم 25 مارس 1956 في 18 دائرة انتخابية ترشحت فيها قوائم الجبهة القومية التي تتكون من الحزب الحر الدستوري الجديد، وبعض المنظمات الوطنية مثل الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، والاتحاد القومي للمزارعين التونسيين.

وفي المقابل شارك الحزب الشيوعي التونسي في 12 دائرة فقط، وضمت قوائمه 69 مترشحًا.

وبصفة عامة، قدرت نسبة المشاركة في أول انتخابات بتونس المستقلة بـ82.86% حسب تصريح الجهات المختصة، وقدرت الأصوات المعلنة بـ599.232 صوت من إجمالي 723.151 مسجلين بالقوائم الانتخابية.

وفازت الجبهة القومية بكل المقاعد بالأغلبية الساحقة، وجاءت النتائج كالآتي: 29 مقعدًا لصالح الحزب الدستوري الجديد و34 مقعدًا لصالح الاتحاد العام التونسي للشغل و10 مقاعد لصالح الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة و13 مقعدًا للاتحاد القومي للمزارعين و12 مقعدًا لفائدة المستقلين.

وضمت تركيبة المجلس القومي التأسيسي كل شرائح المجتمع التونسي حسب المهن وهم على النحو التالي: 19 مزارعًا، 14 محاميًا، 11 تاجرًا، 11 أستاذًا، 10 موظفين، 8 معلمين، 7 عمال، 5 أطباء، 3 صيدلانيين، 3 مقاومين، صحفيان (2)، 2 سعاة للبريد، مهندس واحد، حرفي وخبير.

وعقدت الجلسة الأولى للمجلس القومي التأسيسي يوم 8 أبريل 1956 بحضور محمد الأمين باي. ووقع انتخاب الزعيم الحبيب بورقيبة رئيسًا للمجلس وأحمد بن صالح رئيسًا للجنة صياغة الدستور.

وفي أول جلسة لهذا المجلس قدمت حكومة الطاهر بن عمار استقالتها في نهاية يوم 8 أبريل 1956 ودعا الباي مكتب المجلس القومي التأسيسي للتشاور حول تكليف الشخصية التي ستشكل الحكومة الأولى للبلاد بعد الاستقلال، وكلف الزعيم الحبيب بإجماع من أعضاء مكتب المجلس بهذه المهمة، وأقيمت يوم 11 مارس (آذار) 1956 مراسم تنصيب الحبيب بورقيبة وزيرًا أكبر (رئيس الوزراء) وأعلن استقالته من رئاسة المجلس القومي التأسيسي يوم 14 أبريل 1956 بسبب عدم الجمع بين رئاسة المجلس والحكومة، وتم تعويضه في هذا المنصب بجلولي فارس.

وبعد ذلك ذلك، تم تشكيل أول حكومة للبلاد بعد الاستقلال برئاسة الزعيم الحبيب بورقيبة، وضمت أعضاء عن الحزب الدستوري الجديد، وهم الباهي الأدغم مساعدًا لرئيس الحكومة، المنجي سليم وزيرًا للداخلية، محمد المصمودي وزير دولة، الطيب المهيري وزيرًا للداخلية، أحمد المستيري وزيرًا للعدل، الهادي نويرة وزيرًا للمالية، الفرجاني بالحاج عمار وزيرًا للاقتصاد القومي، الدكتور محمود الماطري وزيرًا للصحة العمومية. كما ضمت هذه الحكومة أيضًا وزراء عن الاتحاد العام التونسي للشغل، وهم محمود الخياري، ومصطفى الفيلالي، وعز الدين العباسي.

ولا يمكن التغافل عن أن بعض أعضاء الحكومة كانوا ينتمون للحزب الدستوري الجديد والمنظمة الشغيلة في آن واحد، وتعود جذور هذه العلاقة الوطيدة بين الحزب والنقابة إلى سنة 1946 تاريخ تأسيس الاتحاد، حيث لم تكن الحركة النقابية بمعزل عن الحركة الوطنية في فترة النضال ضد الاستعمار الفرنسي بتونس. واستمرت علاقة التحالف بينهما إلى يوم 26 يناير (كانون الثاني) 1978، حينما أعلنت المنظمة النقابية «اتحاد الشغل» الإضراب العام بكل جهات الجمهورية التونسية. وواجهت قوات النظام البورقيبي ذلك بالقمع؛ مما أدى إلى سقوط عديد القتلى والجرحى.

ولم يقتصر دور المجلس القومي التأسيسي عن صياغة دستور للمملكة فقط حسب ما نص عليه الأمر العلي الذي ذكر سابقًا، بل حرص هذا المجلس المنتخب على إلغاء النظام الملكي للبلاد وإعلان نظام بديل «النظام الجمهوري». فقد صوت نواب المجلس القومي التأسيسي عشية 25 يوليو (تموز) 1925 على إعلان النظام الجمهوري وإلغاء الملكية دون معارضة. وتم على ذلك تكليف الزعيم الحبيب بورقيبة برئاسة الجمهورية التونسية، ولم يكن إعلان النظام الجديد للبلاد أمرًا اعتباطيًّا، فقد اجتمع الديوان السياسي للحزب الدستوري الجديد بالقصبة سرًّا وقرر إلغاء النظام الملكي نهائيًّا.

وختامًا، كانت لانتخابات المجلس القومي التأسيسي «أول انتخابات في تاريخ تونس المعاصر» لها دور بالغ الأهمية، حيث أقرت مجلسًا تشريعيًّا كان له بصمة في تأسيس الدولة الوطنية الحديثة والرقي بها إقليميًّا وعالميًّا.

وحسب اعتقادنا تبقى تجربة انتخابات المجلس القومي التأسيسي تجربة فريدة من نوعها في تاريخ الدولة التونسية، رغم كل الأزمات السياسية التي مرت بها دولة الاستقلال بعد ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد