يأتي الحاكم العربي إلى سدة الحكم وهو يترنح العقد السادس، السن المناسب لتحقيق الأحلام، وتشييد الأوطان، يأتي بعكاز حديدي أو كرسي متحرك ليس مهمًا، الأهم أن يقتحم المجال، ويظهر للوطن أنه الابن البار، المضطهد عبر الأزمنة، هو النور الذي كنا نراه في نهاية النفق، واليد التي مدت إلينا لحظة الغرق، القشة التي ستنقدنا من الدكتاتوريات، البطل الذي سيحول حياتنا من أسود إلى أبيض، والزعيم الذي سنسلمه الحكم، وسيصنع منه العجب.

في الحملات الانتخابية لا تصدقهم، كأم جاءت تعدد خصال ابنها العاق لعروسة جاهلة بأسرار البيوت، كلهم يحملون باقة من الأمل، ورزمة من البرامج، ومخططات لا تخلو من الوعود، يفقهون في السياسة والرياضة وفن الرقص الشعبي، سيشيدون المصانع، والبيوت، والسجون والمعتقلات أيضًا، سيفتحون سوق العمل، ويؤسسون قوانين الوساطة، سيدعمون التعليم، ويحاربون الرشوة التي يدفعها المواطن البسيط، كلهم أوفياء ونبلاء، سيرتهم الذاتية جزء من هذا الفيلم، يحترفون الكذب وقد غطى الشعر الأبيض رؤوسهم، يمارسون الخداع وبينهم وبين الموت توقف القلب.

بعد الجلوس على كرسي الرئاسة لا يتزحزحون، يبدأ عملهم للعيان، يأتون بالدستور القديم، الذي أسسه دكتاتور سبقهم في المكر والدهاء، يطرحونه على حاشيتهم، بالمشرط والمقص، والسكين يصنعون شيئًا يليق بخلودهم، وتسيير مصالحهم يقول في ذلك الكاتب الساخر جلال عامر رحمه الله: كلما أردنا عمل «طبخة» نلجأ إلى الدستور، وكلما أردنا تجهيز «قانون» نلجأ إلى كتب الطهي، والزبون دائمًا على حق.

يُعرف الدستور في الدول التي تحترم نفسها، على أنه أعلى قانون في الدولة، وهو القانون الأساسي الذي يحدد شكل الدولة، وحكومتها، ونظام الحكم، وكذا طبيعة السلطات واختصاصها والعلاقة فيما بينها، مع تحديد حقوق المواطنين أفرادًا كانوا أم جماعات وضمان ممارسة هذه الحقوق، إلى هنا يظل هذا التعريف منزهًا عن كل حاكم عربي، فالدستور عندنا هو قانون يخضع لسلطة الحاكم، السلطة التي تتضمن المزاج، والأهداف الشخصية في ظل غياب المنطق، ودستورية القوانين، ومن الصعب أن يقبل الحاكم كل دستور يقصيه أو يقيده.

في غرفة عمليات تعديل الدستور يلبس الحاكم بذلة الجراح، فهو يعلم جيدًا موضع العضو الذي يؤلمه، ويقيد حركته، فهو المريض والطبيب في نفس الوقت، بين قص وبتر ينهي معاناته في تسكين الجماهير من خلال عملية سرية، وأحيانًا تكون علنية بمباركة من البرلمان، أغلب هذه العمليات تستهدف فترة الرئاسيات، فتخلع السلطة الحاكمة الورم الذي يعيق تعدد العهدات، معلنة بذلك نجاح عملية زرع عضو جديد في جسد يئن من الجرح القديم، ستسألني عن محاربة جهاز المناعة لهذا الدخيل، سأخبرك بدواء يدعى الصمت يباع في صيدليات الحكم أو السجن بوصفة مختومة من وزارة العدل.

بقلم الرصاص اكتبوه، وحافظوا على ديباجته بالقلم الجاف، ما دمتم غير قادرين على حمايته ولا حتى على تطبيقه، اختزلوا الإجراءات، وفروا على أنفسكم الوقت والجهد، وكل المهرجانات التي تقام في القنوات، بين رافض ومؤيد، وبين صامت متواطئ، ومتحدث مسجون، فالبرلمان سيصوت بالإجماع، لقد أغرقتموه بالمال، واشتريتم ذمته بالمنح والزيادات، وكل استفتاء شعبي سيزور في اللجان، ككل الانتخابات، فنسبة التسعين بالمئة صناعة عربية أصيلة، وإن حدث وصادفتم في طريق الخلود معارضًا شرسًا تحدث بصوت مرتفع، ولم يخفه التهديد والوعيد، فتشوا في أرشيفه فكل مقترب منكم ليس بشريف، وكل جالس معكم ليس بنظيف.

عزيزي الحاكم لا تجزع فقد سبقتك في هذا الطريق قبور يحفظها الآن التاريخ، فالمواطن العربي لم يعد يطالع دستوره، ولم يعد يبحث عن حقوقه، لقد شغلتموه برغيف الخبز وكيس الحليب، وإن تحدث في السياسة سيتحدث من باب التنفيس، وخلق مواضيع لإكمال فنجان القهوة على الطريق، علمه من سبقكم في فن التعديل، أن دساتيرنا توضع عند باب القصر الرئاسي، هذا يخلعها والثاني يلبسها، وكل بحسب مقاس عقله الذي سكن رجله، يغير القوانين حسب مزاجه، ويبدل المناصب حسب المرض النفسي الذي يعاني منه، الدستور كلمة من أصل فارسي، مقسمة إلى قسمين «دست» تعني القاعدة، أما «ور» فتعني صاحبها، وأول خطوة يخطوها الرئيس حين يدوس القاعدة بحذائه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد