يُصِر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وحركة فتح على عقد المجلس الوطني نهاية الشهر الحالي، وذلك على الرغم من المقاطعة الكبيرة، سواء على مستوى الفصائل الفلسطينية أو الأعضاء المستقلين، وكذلك القوى الشعبية، وعموم الشعب الفلسطيني، حيث يأتي انعقاد المجلس الوطني في وقت تعاني فيه السلطة من عزلة غير مسبوقة عن مكونات الشعب الفلسطيني، كيف لا وهي التي تكبت أي حراك سياسي في الضفة الغربية، وتفرض عقوبات انتقامية على غزة أدت إلى تدهور في كافة القطاعات، في وقت يخوض فيه الشعب الفلسطيني معركة البقاء وغزة كعادتها تتصدر المشهد من أجل إفشال المخططات الصهيو-أمريكية التي تحاول دفن القضية الفلسطينية وتصفيتها وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة.

غزة التي تعتبر الآن في مقدمة النضال والمقاومة لمخططات الاحتلال، وهي التي تقود الحراك من خلال مسيرات العودة التي انطلقت نهاية شهر مارس (آذار) الماضي تزامنًا مع يوم الأرض، بانتظار أن تصل إلى ذروتها يوم 15 مايو (أيار) القادم، والذي من المقرر أن يتم فيه أيضًا نقل السفارة الأمريكية إلى القدس باعتبارها عاصمة للاحتلال الصهيوني.

السلطة الفلسطينية وقيادتها الغائبة عن محاور القضية وعن مسيرات العودة، المتمسكة بالتنسيق الأمني كورقة أخيرة تبقت للسلطة من إرث أوسلو، تحاول من خلاله على الأقل الإبقاء على ذاتها بعد فشل ذريع لعباس سياسيًا أدى إلى انهيار ما يسمى بمفاوضات التسوية مع  إسرائيل، وكذلك تخلي الإدارة الأمريكية تمامًا عن السلطة بعد أن استنفدت منها ما تريد عبر السنوات السابقة، فالضفة الغربية أصبحت عبارة عن كيبوتسات ومستوطنات صهيونية، وأجهزة السلطة تم بناؤها على عقيدة تحارب أي وجود للمقاومة الفلسطينية والتعاون الكامل مع الاحتلال في رأب أي حراك شعبي أو انتفاضة فلسطينية.

السلطة بأزماتها المتصاعدة بوتيرة غير مسبوقة تغرد خارج السرب، فهي غائبة تمامًا، وعباس يريد أن يحفظ بقاءه في السلطة وعلى رأس القيادة بأي ثمن، فهو يريد عقد المجلس الوطني ليجدد مكانه على رأس الشعب الفلسطيني، مستغلًا بذلك الإنقسام الفلسطيني، والذي بات أداة تسويق لقيادة فتح والسلطة لتصدير الأزمات التي تعصف بالسلطة الفلسطينية والتحديات التي ربما تفرض وقائع على الشعب الفلسطيني غير مقبولة.

خياران لا ثالث لهما 

السلطة أما خياران لا ثالث لهما، فهي إما أن تلحق بركب الشعب الفلسطيني وإرادته ودعم الحراك الشعبي السلمي والمقاومة الفلسطينية، وإطلاق العنان لها في الضفة الغربية لرفع وتيرة الضغط على الاحتلال الصهيوني والمجتمع الدولي، وعدم وضع عوائق مصطنعة أمام المصالحة مع حركة حماس والمبادارات السياسية الفاعلة.

وإما أن تسير في ذات الاتجاه، وهو يعني جلد الذات، فالسلطة باستمرارها في التنسيق الأمني، بالتالي ستكون مهددة بالاضمحلال والتهميش، في وقت لا يخفى على أحد الصراعات في أروقتها للبقاء؛ مما سيحدث فوضى عارمة ناتجة عن غياب البدائل القيادية والنخبوية، اضمحلال لن يتجدد بعقد المجلس الوطني أو استمرار الانقسام، وبالتالي تكون مقبلة على حالة من التصارع الداخلي يكرس ضعفها والمزيد من العزلة السياسية والابتعاد عن الواقع.

فالسلطة لن ينقذها الصخب السياسي الذي تطلقه بين الحين والآخر بحجة الانقسام؛ ولن ينقذها الدعم المالي المقدم من الدول العربية والقوى الأوروبية في ظل التقادم الزمني لقيادتها السياسية واحتمال تحولها إلى جزر متصارعة.

المرحلة القادمة هي مرحلة حساسة وليست بالهينة، ومما زاد من تعقيداتها التغيرات الإقليمية، والتغير الكبير في سياسات دول المنطقة وأيدولوجياتها، والتي تسهل على الاحتلال الصهيوني تنفيذ مخطاطاته وتمريرها بشكل أسرع وأسهل مما كان عليه في السابق، إن تدارك الأمر والتعالي عن المصالح الشخصية والحزبية لا بد أن يكون حاضرًا خلال الفترة القادمة، وعلى حركتي حماس وفتح إنقاذ الشعب الفلسطيني الذي دفع فاتورة باهظة من حياته بسبب الانقسام، وعلى عباس أن يغير من سياسته التي تكللت بالفشل على مدار سنوات منصبه كرئيس للسلطة.

إن العقل يقضي بأن يوجه الشعب الفلسطيني بوصلته نحو القدس والقضية، والابتعاد عن المناكفات السياسية التي سيجني الاحتلال ثمارها وسيدفع الشعب الفلسطيني قضيته الثمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد