من خلال النماذج الماثلة التي تداولها الأيام والتجارب التي خاضتها الشعوب، فإنه لا يمكن أن تكون الحالة السياسية الجارية في السودان في دائرة خارج إطار المعمل السياسي الدولي والعربي، خاصة أن السودان لا يختلف كثيرًا عن الشعوب التي ثارت من حوله، لأن عوامل الثورة موجودة وتزداد كل يوم منذرة أنه لا بد من انفجار البركان، ولكن بعيدًا عن الأماني والطموحات.

يجري الآن ما يسمى بالحوار الوطني الذي يعد نموذجًا كان له الأثر الأكبر في ثورات الربيع العربي، فهذه الثورات لم تحدث فجأة بل كانت نتاجًا لتجاذبات سياسية داخل الأروقة والثكنات، والسودان الآن حسب تقديري يخطو على ما سارت في ركابه الشعوب، أي أنه يعيش حالة قبيل ثورية وإن كان قد أصابته بعض حمى الربيع العربي في بدايته، حيث تداعى بنفرة ثورية كادت أن تتحول لبركان ضخم خاصة في أحداث سبتمبر، والتي لا يجب أن يغيب صيتها في قاعات الحوار، لكن تلك النفرة المتداعية والمستجيبة للفطرة ما لبثت أن أهمدت وقمعت مما دل على أنها لم تكن منظمة بالشكل الذي يؤهلها لخوض ودفع ضرائب الصراع، لكنها مهدت روحًا ووميضًا وعوامل أخرى لا يسعنا المجال لذكرها، فعجلة الحياة تتلقف الكلمات وتجذبنا لمحاولة احتواء الأحداث وتلخيصها بشكل متكامل.

إن السودان الآن على مفترق طرق عدة وكل هذه الطرق خطورتها متفاوتة من طريق لآخر.

الطريق الأول (الحوار الوطني): وهذا الطريق مع تحفظنا عليه، إلا أنه لن ينجح إلا إذا توافرت له عوامل عديدة، أولها جدية الأطراف ومصداقيتها في الوصول للحلول المناسبة وتنفيذ مخرجات الحوار التي تلمع بشعارات الحرية والعدل والمساواة، وإلا فهو خداع وتضليل وصرف جهد ووقت في لا شيء، والآن وبكل صدق فإن الحوار لا يتجاوز الزعماء ولا يتصل بالشعب المغلوب على أمره، شعب رضي بالذل غاية ورفع الهوان راية، ونام على وسادة الجهل والتخلف التي نسجتها له النظم الاستبدادية من نار البطش وحبال القهر، حتى انسلخت إرادته كما تسلخ البهائم في أسواق اللحوم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يدور حوار من أجل شعب مغيب عن الحوار، لا صوت له ولا نداء، وإن أكبر الكوارث التي وقع فيها المتسيسون في وطننا أن اندرجوا في حوار ليس للشعب اليد الطولى فيه، وكان من الأجدى لهذه القوى السياسية أن تحرك الجماهير في الشوارع في ظل الحوار الوطني، وأن تكون لهذه الجماهير كلمة واضحة في هذا الحوار، لأن الجماهير لها الدور الأعظم في التغيير والحراك، وهذا الحراك سيكون بمثابة ضغط شعبي كبير في تعجيل تنفيذ مخرجات الحوار الوطني على الواقع، لكن عندما لا يكون الشعب هو الدينامو المحرك والإرادة الفاعلة، فستكون العملية الجارية مجرد تفاوض وملتقى تؤكل فيه اللحوم والفاكهة التي تخرج أموالها من دماء الشعب المنسلخة إرادته.

إن الخيار الذي نتحدث عنه بمقابل الحوار هو خيار ذو طابعين: طابع ثوري يرتكز على الفهم والتنظيم، وآخر ثوري همجي عشوائي، وكلا الخيارين ناجم من منبع واحد، هو ضغط الحالة الاقتصادية المتردية التي تعيش تحت نيرانها قوافل الشعب وإنها لكارثة أن نكون على مفترق طرق كهذه، ولكن إن تفاءلنا قليلًا سنضطر إلى دفع ضرائب كبيرة، وهي التي هربت منها القوى السياسية واكتوت بنيرانها التي لا يستطيعها إلا ألو العزم من المصلحين الحقيقيين، وهي ضريبة التربية المنظمة وقيادة الجماهير عبر تحريك الساكن من الوعي الذي أخمدته مباطش الطغيان والفساد، وهذه معركة كبرى خاضها المصلحون على مر التاريخ إلا أنها آتت أكلها وأثمرت أشجارها، وأقامت حضارات تشهد لها صحائف التاريخ البشري.

إن على القادة والمثقفين المخلصون -لا المثقفين المصلحيين- أن يقودوا ذلك الركب الميمون من سفينة النجاة التي ستعبر بهذا الشعب إلى بر الأمان بعد كفاح لا يُعلم منتهاه، وإن غاية نبيلة طبيعتها شوك وبلاء وشدة ونفس طويل، لا عصاة بيد ساحر يجعل من التغيير نظامًا سطحيًا لا عمق فيه.

وإن الناظر لمسيرة الإنسانية بعين العقل والفؤاد ليدرك مدى عمق قيادة التغيير والتحولات في النظم الاجتماعية والسياسية والفكرية، فهي تربية وتنشئة لجيل بعد جيل وخوض لتغيير ما في القلوب والعقول من تصورات، وما الذي عرقل نهضة البشرية غير العقول الخربة والقلوب الميتة، دعك من بقعة صغيرة في كوكب كبير تسمى (الســودان).

إن وطننا ليس خارج تلك الدائرة البشرية، فهو كذلك خاضع للنظام البشري وتحولاته الاجتماعية والمفاهيمية، لذلك يجب أن يخطو المبصرون خطو التنشئة وصياغة التصورات قبل أن يندرجوا في مسميات جوفاء بلا قاعدة تحمي الشعارات التي صُدّعت بها الرؤس والآذان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد