في منتصف القرن العشرين، تم التخلص من النزعة القومية في الغرب. بعدما وصلت آنذاك إلى مرحلة نهائية ومشوهة، ختمت بحربين مرعبتين -الأولى والثانية- وتم بعد ذلك إعلان نهوض الدولة الحديثة، والتي تنبأت ببناء مجتمع عالمي سلمي، يتمتع بالرخاء والازدهار. وهذا ما جعلته التكنولوجيا الحديثة في متناولنا.

كان من المفترض، أن تكون أدوات الليبرالية الحديثة، أيقونة تقوم على أساسها نزاعات اقتصادية وثقافية. حيث يتم توجيه المؤهلات الشعبية نحو المنافسة الاقتصادية مع الدول الأخرى.

بالفعل ظهرت نتائج الدولة الحديثة في مرحلة النظام العالمي الجديد، والذي تبلور بمنظمات واتحادات عالمية -منظمة الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي- وغيرها. وامتلك هذا النظام قدرةً على اختزال جميع الصراعات القومية إلى المنافسة الاقتصادية، وحققت خطوات إيجابية في مفهوم مصطلح القومية التقليدي في المجتمع الغربي.

مع كل هذا التقدم الفكري لمفهوم الدولة الحديثة ونتائجها، هناك أسئلة أعتقد لا بد أن نقف عندها.

ما معنى كل ذلك، ونحن ما زلنا نعيش تحت مصطلح «التطهير العرقي»؟

ألم تكن الليبرالية الغربية أنانية في مسعاها، ولم تكن نظرتها عالمية كما ادعت؟

ألم يتم استغلال القوميات في كل من أفريقيا وآسيا في سبيل المجتمع الغربي؟

عندما نطرح هذه الأسئلة، بالتأكيد نحتاج إلى بحث عميق ودقيق لمفهوم الليبرالية وتاريخها. ولكن ربما نستطيع أن نذكر نتائجها الأخيرة، وربطها بشكل مباشر بالحروب العرقية التي تعاني منها المجتمعات الشرقية. وبذلك ربما نستطيع التنبؤ بالقادم أيضًا.

عندما نتحدث عن مرحلة ما بعد النزعة القومية، يتم ذكر الغرب فقط، ناهيك عن الحروب الباردة بين القوة العالمية، والتي تغير مسارها بشكل منهجي إلى الشرق. ابتداءً من المشروع الصهيوني، وانتهاءً بثورات الربيع العربي.

وأعتقد أن الليبرالية أخطأت في تحليل مستقبل النزاعات القومية في الشرق، وتأثيرها في بنية المجتمع الغربي. وذلك عندما أكدت على مفهوم -حق تقرير المصير- الذي تميز بالبلاهة والخطورة على أصحاب النزعات القومية، الذين تمردوا على الدولة التي ينتمون إليها (الأكراد، الويلزيون، الكتلان، الهنود الأمريكيون) إذ شئنا أن نحدد عددًا قليلًا من عشرات الأمثلة.

ولكن معظم القوميات الغربية تم حلها، وتم التعامل مع الآخر بشكل سلمي ومنطقي إلى حد الآن. على غرار ما في الشرق، والتي تعاني من حق تقرير المصير، وتعيش في خضم صراعات وحروب، تهدد بشكل مباشر وجودها.

وبما أن منظمة الأمم المتحدة تدعي حماية البشرية وحفظ حقوقها،  فإنها ملزمة باستقبال الهاربين من تلك الحروب، واللجوء إلى دول آمنة، تحقق لهم ظروف حياتية بمفهوم الإنسانية.

ونتيجة التدفق الهستيري للاجئين نحو الغرب، أثيرت النزعة القومية لدى معظم الدول الحاضنة لهم، وخلقت بذلك صراعات داخلية بين الأحزاب السياسية -اليمينية واليسارية- ومراجعة مفهوم القومية، التي ربما تم التخلص منها مؤقتًا. فهناك خوف على ضياع القومية لدى السكان الأصليين، وخاصةً أن معظم اللاجئين، هم ذو خلفية دينية أخرى، وهذا ما يزيد الخوف والحذر.

أيضًا، إذ راجعنا شعارات الأحزاب اليمينية، نجد أنها تحذر من ضياع القومية وفقدان المجتمع كينونته الأساسية، وهي الفرد. وبهذا السياق، اكتسبت الأحزاب اليمينية شعبية مخيفة، تهدد بشكل كبير مستقبل الدولة الحديثة، والاتحاد الأوروبي.

من هنا، فإن رياح عاصفة النزعة القومية في الغرب بدأت بالهبوب، وأعتقد أن نتائجه ستكون سلبية على جميع المجتمعات، إذ لم يتم التعامل معه بشكل عقلاني وإنساني، بعيد عن الانتماءات القومية والدينية.

«فالإنسانية، هي روح العصر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد