تحل في الأول من يوليو (تموز) المقبل، الذكرى الثالثة والعشرين لإعادة جزيرة هونج كونج إلى الصين كمنطقة إدارية خاصة تتمتع بدرجة عالية من الاستقلال والحكم الذاتي. وذلك بموجب الإعلان المشترك بين الصين وبريطانيا الذي يقضي بمنح المستعمرة البريطانية السابقة حق التمتع بنظام سياسي وقضائي مستقل عن الأنظمة المعمول بها في البر الرئيس الصيني.

وتأتي هذه الذكرى في وقت تشهد فيه الجزيرة اضطرابات واحتجاجات شعبية، بسبب مشروع قانون الأمن القومي الخاص بهونج كونج، والذي أقره البرلمان الصيني في مايو (أيار) الماضي، وأثار جدلًا كبيرًا في الأوساط الدولية، حيث اعتبرت جهات عدة أن من شأن القانون الجديد أن يقوض الحقوق والحريات في المدينة.

ويتيح التشريع اعتبار أي دعوات معارضة للحكومة دعوة للإرهاب، أو دعمًا للنزعة الانفصالية، وتحريضًا يهدف إلى إسقاط الحكومة المركزية. وهو الأمر الذي دفع وزارة الخارجية الأمريكية إلى إبلاغ الكونجرس بأن هونج كونج لم تعد مستقلة عن الصين، ويعني ذلك إسقاط الميزة التفضيلية الممنوحة للجزيرة باعتبارها مركزًا ماليًا دوليًا.

مسودة القانون

كان لافتًا قبل أيام من نشر مسودة القانون في وسائل الإعلام الرسمية الصينية، تصريح للرئيسة التنفيذية لهونج كونج، كاري لام، قالت فيه إنها لم تطلع على تفاصيل القانون، لكنها في نفس الوقت أكدت بأن مضمونه لن يمس الحقوق والحريات المكفولة للمواطنين.

وحسب ما جاء في مسودة القانون، فإنه يبدو استكمالًا أو تثبيتًا لمشروع القانون الخاص بتسليم مشتبه بهم جنائيًا للسلطات الصينية، والذي طرح أمام الهيئة التشريعية في مجلس نواب هونج كونج العام الماضي، وقد أثار في حينه اضطرابات شعبية غير مسبوقة، قبل أن يتم سحبه بصورة نهائية.

فالقانون الجديد يقضي بتشكل لجنة للأمن القومي ترأسها كاري لام، وتشرف عليها الحكومة المركزية في بكين. توكل للجنة مهام مراقبة تطبيق القانون، ويستدعي ذلك إنشاء مكتب مفوض الأمن القومي في هونج كونج، ويخضع المكتب لإشراف مستشار خاص من الحكومة المركزية. ويمنح القانون صلاحيات واسعة للرئيسة التنفيذية لاختيار القضاة العاملين في قضايا الأمن القومي، غير أن تقسيم السلطة والأدوار الدقيقة التي تلعبها الدوائر والهيئات الجديدة لا يزال غير واضح.

لكن ما يبدو جليًا، رغبة بكين في إحكام قبضتها الأمنية على المستعمرة البريطانية السابقة، خصوصًا مع ارتفاع الأصوات المطالبة بالاستقلال، وتزايد أعداد النشطاء المناهضين للنظام الشيوعي، ووصول بعضهم إلى مقاعد البرلمان، وبالتالي فإن هذه الخطوة تهدف إلى كبح جماح المعارضين من خلال تهديدهم وترهيبهم بجرهم إلى محاكم الصين.

أزمة ثقة

يشير قرار السلطات الصينية منح الرئيسة التنفيذية لهونج كونج صلاحيات واسعة في اختيار القضاة حسب القانون الجديد، إلى أن بكين لا تثق تمامًا بالنظام القضائي في المدينة. هذا البند من القانون والذي يتعلق بمسألة المحاكم، هو أكثر ما يثير قلق المواطنين. وقد شبه مراقبون هذا القرار بالسماح لفريق كرة قدم باختيار جميع الحكام في بطولة كأس العالم.

وتكمن خطورة هذه الخطوة في إمكانية البت في بعض القضايا من قبل السلطات الصينية مباشرة، بدلًا عن المحاكم المحلية، وهو أمر من شأنه أن يقوض استقلالية القضاء بشكل صارخ، خصوصًا أن بعض الحالات التي لم يحددها المشرع، تستدعي إرسال المشتبه بهم إلى البر الرئيس الصيني لمحاكمتهم هناك.

هذه القضية طرحت تساؤلات حول دور محاكم هونج كونج، في تقدير أو تقرير ما إذا كانت الحالة الجنائية تستدعي نقلها للتحكيم أمام القضاء الصيني، وما هي الضمانات التي تحدثت عنها كاري لام، في تعليقها على التشريع، واعتباره بأنه يصون حريات المدينة ويحترم معايير حقوق الإنسان.

تبقى التفاصيل القليلة المتاحة عن القانون، مصدرًا للقلق والخوف بالنسبة للمعارضين، في الذكرى الثالثة والعشرين لتسليم هونج كونج إلى الصين، وقد ذهب بعضهم إلى اعتبار القانون بأنه التسليم الثاني للمدينة، متسائلين عن جدوى استمرار نموذج «دولة واحدة ونظامان» ما دام ثمن الإجراء الجديد، النظام القضائي المستقل في الجزيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأمن, قانون, هونج
عرض التعليقات
تحميل المزيد