لقد ظلت الدولة الوطنية أحد أبرز المفاهيم الأساسية للحداثة السياسية، حتى جاءت العولمة الشاملة لتجعل منها كيانًا اعتباريًّا أكثر منه طبيعيًّا بفعل انكماش القيمة المادية للمجال الوطني وتفاقم دور الفواعل غير الوطنية وتراجع المناعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدول بظهور هويات بديلة للوطن عابرة للدولة أو ما دونها، ومع ذلك فقد قاوم مفهوم الدولة الوطنية هذا التيار الجارف، وأظهرت التجارب القريبة والبعيدة أنه ما من ضمانة لاستقرار المجتمعات، إلا في ظل دولة قائمة على المواطنة وسيادة القانون؛ إذ يكون الجميع سواسية في الحقوق والواجبات وبوجود مؤسسات قوية تسهر على حماية الدولة من التفكك بالاستناد إلى شرعية ديمقراطية تتمثل في إرادة الشعب المعبرة عن العقد الاجتماعي. إن هذه التوليفة تجعل من القانون مرجعيةً لحل النزاعات التي تنشأ بين المواطنين أو مع الدولة بشكل منظم بعيدًا عن الفوضى والأحكام العرفية، وبالتالي يطمئن كل شخص على أمنه ومستقبله.

لقد رأينا كيف أدى انهيار الدول في الشرق الأوسط إلى سيادة شريعة الغاب، القوي يأكل الضعيف والمستند إلى الأجنبي يستقوي على أبناء جلدته، والكل يحتمي بانتماءاته الأولية القبلية والعشائرية أو الطائفية؛ بينما لم يعد الوطن يعني بالنسبة لهم إلا ذلك الراتب الذي يتقاضاه الموظف من بقايا الدولة في نهاية كل شهر أو المقابلة الرياضية التي يمثل فيها مجموعة من الشباب علم بلادهم في المحافل الدولية، وضع مأساوي حوَّل دولًا عريقة في التاريخ والحضارة إلى أثر بعد عين أو في أحسن الأحوال صارت مقاطعات تابعة لهذا المحور الإقليمي أو ذاك، بعد أن كانت قائد المسيرة بالنسبة لجوارها في أكثر من مجال من مجالات التقدم.

ودون الخوض في كل الأسباب التي أدت إلى هذا المصير، لا يمكن أن نهمل الدور الجوهري لغياب ثقافة الدولة داخل المجتمع في التهافت الكبير للأوطان، فهي تلك المركزية الإدارية التي تستطيع جمع كل التناقضات وتهذيبها لتجعل من عناصر الحياة الاجتماعية والسياسية تدور حول فلك الانتماء للوطن، دون أن يعني ذلك إلغاءً للتنوع والتعدد الثقافي والفكري والسياسي شرطًا أساسيًّا لتجنب الوقوع في جحيم الشمولية والأحادية الذي قد يؤخر الانهيار شكليًّا لبضع سنوات، ولكن لا يمنعه؛ بل بالعكس يفاقم من نتائجه مثلما يدل على ذلك ما حدث في دول حكمتها أنظمة من هذا الشكل.

لا تناقض بين ثقافة الدولة وسيادة القانون والتنوع الثقافي إذا لم تتحول الهويات الفرعية إلى بديل عن الهوية الوطنية أو أن نجعل من القيم الكونية المثلى خطرًا على سيادة الدول، بعكس ذلك؛ فالتنوع يثري الوحدة بأثر تعاضدي Synergie، واحترام الخصوصيات واستعيابها يصب في خدمة المشروع الوطني، حتى إذا جاء وقت الأزمات – حيث لا نعيش في جزيرة معزولة عن العالم – كان شعور الانتماء للوطن والثقة التعاقدية التي تربط المواطن بالدولة هي صمامات الأمان لحماية الجميع من الوقوع في فخ الصراعات الأهلية العقيمة والمدمرة، التي لا تحقق انتصارًا للعدالة ولا لفكرة على حساب أخرى، وإنما تساهم في هدم سقف البيت على رؤوس ساكنيه، وتفتح المجال للتدخل الأجنبي الانتهازي، فيصبح الجميع في خبر كان.

وإذا كان الغباء هو تكرار التجربة بالمقادير ذاتها وانتظار نتائج مغايرة، فإن الانتحار هو المراهنة على غير التماسك الداخلي والقوى الذاتية في إحداث التقدم المنشود إلى الأمام، وعليه فإن البيئة الآمنة لحل الخلافات تكون تحت سماء الوحدة الوطنية واختصاص الدولة دون غيرها بفرض القانون والانضباط في كل ملليمتر من التراب الوطني دون تمييز، وأن تكون الجهود متبادلة لتعزيز الحس بالمسؤولية تجاه الوطن والشعور الطوعي بضرورة احترام القيم والمؤسسات وذلك التجسيد الفعلي لثقافة الدولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد