الوطن.. بين اليوتوبيا والدستوبيا!

عَلمُوكَ النَّشيد قَالُوا صِرَاعك مُفِيد للوَطَن، نموتُ، نموتُ كي يحيا الوطن.

هل سبق لك أن تساءلت مع نفسك، يحيا لمن؟ يحيا للسلاطين والملوك؟ أم يحيا لكل من هو أعلى سلطة منك؟ لماذا نربي أجيالًا من الأطفال على الموت والعذاب، لا على حب الحياة والمتعة في جنبات الوطن؟ هل هناك أياد خفية تقف وراء هذه الأفكار السامة؟ أم أنها نتاج ما وصل إليه التخلف البشري؟

أعشق مدينتي وحواريها، وأعشق ناسها وترابها وأزقتها. لكن هناك بين أزقة مدينتي العتيقة، ودعت طفولتي، وبت أبيع فرحي البريء، وبت أرى الواقع كما هو، ليس كما علمونا في المدرسة عند ترديد النشيد الوطني كل صباح. استغلوا براءتنا لإقناعنا بأن دولتنا هي الأعظم بين كل الدول، وأن ديننا «الحنيف» هو الأعظم والأصح بين كل أديان الأرض. نعم كنا نصدق هذا الهراء حتى أصبح حقيقة مسلمة لا يمكن التخلي عنها، وأصبح ذريعة للإقصاء والتحقير والعنصرية ضد كل من يخالفنا الجنسية والدين والفكر، تلك الجمل التي سمعناها في الطفولة جعلت من بعض الحمقى يتقاتلون ويشتمون بعضهم بعضًا في سبيل وطنهم ودينهم، بمجرد أن تخبر شخصًا ما جنسيتك أو دينك، فأنت تدعوه لحرب طائفية عرقية لن تتوقف إلا باعتراف أحدنا بصواب الآخر، وهذا الذي لن يحدث.

يكفي أن تمر على التعليقات في أي فيديو عربي على موقع يوتيوب لكي ترى كمية التخلف والجهل والانحطاط الذي وصل إليه العالم العربي، شخص يكتب تحية مع اسم بلده، ثم يأتي شخص آخر ويخبره بأن بلده معروف بكذا وكذا، ليرد عليه صاحب التعليق وتبدأ المعركة الطاحنة بينهما، نعم عزيزي القارئ هذه هي روح الوطنية في العالم العربي.

وأنا أكتب مقالتي هذه، تبادرت إلى ذهني الرسالة المؤثرة للشاب الذي مات غرقا في قوارب الموت بسواحل ليبيا، اسمه رشيد مستور، وكان من بين ما كتبه الأسطر التالية: «سنغادر هذا الوطن عاجلاً أم آجلاً، سنغادره ليس حبًا في أوطان غيرنا، سنغادره لأننا مجبرون على المغادرة، مجبرون لأن من يحكمنا بقوة الميتافيزيقا أحكم قبضته على العقول. سنغادره أيضًا لأن أفراده غارقون في السادية، وغير مبالين وغير مهتمين، كل يجري إلى تحقيق رفاه نفسه (…) مجبرون على المغادرة لأننا مهدّدون، مهددون بالقهر من طرف مافيات السياسة (…) سنترك هذا الوطن حين ماتت فينا كل ملكات الإنسان ليحلّ محلها الأنا وبعدي الطوفان، مجبرون على المغادرة، قبل أن نغادر هذا العالم بشكل نهائي».

رغم بساطة الرسالة، فإنها رسالة مؤثرة، وتحس بأن صاحبها ذاق مرارة الظلم في وطنه الذي قتل كرامته وحريته.

الشيء الذي كان وما زال يغضبني هو عندما يسألك شخص ما إن كنت تعرف كلمات النشيد الوطني، وما إن تخبره أنك لا تعرف كل الكلمات، يبدأ يسألك عن الوطنية ويحدثك حب الوطن.

ما الجدوى من حفظ كلمات النشيد الوطني إن كنا سنرى في مجتمعنا مشاهد تنطوي على النقيض من معاني تلك الكلمات؟

كيف سنقنع أنفسنا أن الوطنية تتمثل في حفظ النشيد الوطني، والافتخار بجنسيتنا التي حصلنا عليها بصدفة جغرافية، وهناك من وقع عليه الظلم دون أن يجد من ينصفه؟ كيف سنقنع أنفسنا بهذا، وهناك من اغتصبت أرضه على أنها ملك للدولة؟ كيف سنقنع أنفسنا بهذا الهراء وهناك أماكن تستخرج المعادن النفيسة من أراضيها دون أن يكون لسكانها نصيب منها؟ كيف سنقنع أنفسنا بكل هذا ونحن نشاهد أطفالاً تبكي وتنتقل للسكن في الخيام بعد تهدم منازلها. أما بالنسبة لأولئك الذين يسرقون أموال الوطن ويخرقون كل القوانين، هل يحفظون النشيد الوطني مثل عامة الشعب؟ أم أن الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء؟

يصورون لنا أن الوطنية هي الاعتزاز والفخر بجنسيتك، وأنها التعلق العاطفي والولاء اللامشروط لوطنك، بل الوطنية هي أن تنعكس كلمات النشيد على حياة كل واحد منا؛ فيجدها مجسدة في سلوك السلطة والمسؤولين تجاهه، الوطنية الحقيقية هي الشعور بالكرامة، وبالأمان، والحرية في الوطن الذي تحبه، والذي يتمثل في الناس، نعم الوطن هو الناس.

نموت كي يحيا الوطن، يحيا لمن؟ للتراب؟ نحن الوطن.

عَلمُوكَ النَّشيد قَالُوا صِرَاعك مُفِيد للوَطَن… خَدَّرُوك بِالوَرِيد قَالُوا خُمُولَك مُفِيد لِلوَطَن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد