بعد أن تلثّموا بالكوفيّة وحملوا على أكتافهم بنادق الكلاشنكوف، قرّر الفلسطينيون أنهم وحدهم القادرون على تحرير فلسطين، فبدأت التنظيمات الفلسطينية بتنفيذ الضربات الموجعة في عُمق الأراضي المحتلة، إلا أن الظروف والمؤامرات جرفتهم من الأردن، فبيروت، فشواطئ تونس بعيدًا عن فلسطين؛ ليصبح الحمل وحده على أبناء الأرض المحتلة.

الإسلام هو الحلّ

الثورة الإسلامية في إيران كانت أملًا جديدًا أعاد الخيار الإسلامي إلى الصدارة عند شريحةٍ كبيرةٍ من الفلسطينيين بعد سُبات عقودٍ من الزمن، ورغم الاختلاف العقائديّ بين ثورة إيران الشيعية ومعتقدات الفلسطينيين السُنيّة [1] إلا أن الفتنة الطائفية لم تعرف طريقًا لقلوبهم وأحدث قيامها أثرًا كبيرًا في نفوسهم، ووجدوا في التنظيمات الإسلامية بديلًا آن أوانه، مقابل الأحزاب اليسارية المنبثقة عن الأيديولوجيا الماركسية واللينينية التي كانت على عتبة الانهيار في موطنها الأصليّ، ومقابل الأحزاب الوطنية القوميّة كحركة فتح التي خسرت غطاءها الدافئ الذي منحه لها جمال عبد الناصر، إضافةً لانسحاب التنظيمات الفلسطينية من بيروت الذي أفقد ثقة الكثيرين بهذه التنظيمات، رغم تحقيقها رصيدًا كبيرًا من العمليات الفدائية، وبعد سلسلةٍ من معارك الصمود الأسطوري.

وكان للجهاد السَهل الذي فتحت أمريكا أبوابه للمسلمين في وجه المحتلّين السوفييت لأفغانستان دورٌ كبيرٌ في توسيع رقعة المؤيدين للتنظيمات الإسلامية في فلسطين، ليس فقط معنويًا، بل أيضًا على الصعيد الماديّ، خصوصًا وأن دوّل الخليج النفطية ومواطنيها الذين أصبحوا محفظة أمريكا قد أقبلوا على دعم التنظيمات الإسلامية الفلسطينية الصاعدة كبديلٍ عن منظمة التحرير البعيدة فكريًا وظاهريًا عن مجاهدي أفغانستان الذين باتت مفاتيح الجنّة بأيديهم [2]، إضافةً لانحياز منظمة التحرير لاحقًا لاجتياح الرئيس العراقي السابق صدام حسين للكويت [3].

ومع المقاطعة والحصار السياسيّ المفروض اضطرّت منظمة التحرير الفلسطينية لتوقيع اتفاق سلامٍ مع إسرائيل، تتنازل فيه عن معظم مساحة فلسطين التاريخية مقابل دولةٍ فلسطينيةٍ في حدود عام 1967؛ مما شكّل سببًا آخر لصعود حركتي المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، ومنافستهما لبقيّة التنظيمات الأخرى التي خسرت أسهمها عند كثيرٍ من مؤيديها الرافضين لاتفاق أوسلو عام 1993.

طار سَقف البَاص

لم تتوقف التنظيمات الإسلامية الفلسطينية عن حشد المؤيدين بالعمليات التفجيرية في عمق المدن الإسرائيلية والمستوطنات، فقد كانت هذه العمليات بالنسبة لهم إجهاضًا لمشروع دولة أوسلو، ولغةً فعّالةً في الحوار أكثر من مباحثات السلام في القدس وطابا وكامب ديفيد، واستغلّها اليمين الإسرائيليّ الذي بدأ بالصعود بعد اغتيال اسحق رابين عام 1995، ليحقّق نفس الهدف في إجهاض مشروع أوسلو، لكن من وجهة نظرٍ أخرى.

تطاير أسقف الحافلات الإسرائيلية بالأحزمة الناسفة والعبوات المفخخة رفع معنويات الفلسطينيين المُحبطين الذين شعروا أن جهودهم وتضحياتهم في انتفاضة الحجارة الأولى 1987 قد ذهبت سُدىً بهذا السلام غير العادل، وبدأ الصِدام بين مشروعيّ السلطة الفلسطينية والمقاومة الإسلامية من بداية تأسيس السلطة الفلسطينية، وكانت الاعتقالات والتعذيب بالسجون الفلسطينية للمعارضين سببًا إضافيًا لنفور الجمهور نحوّ التنظيمات الإسلامية [4].

وفي العام 2000 انخرط الشعب الفلسطينيّ بكافّة تنظيماته واتجاهاته في انتفاضة الأقصى، عندما أقدم آريئيل شارون رئيس وزراء الاحتلال باستعراضٍ انتخابيّ أمام جمهوره اليمينيّ على اقتحام ساحات المسجد الأقصى؛ مما أثار مشاعر الفلسطينيين والعرب والمسلمين واستفزّهم، وتطاير المزيد من أسقف الحافلات وكراسي المقاهي، وبدأت الصواريخ والقذائف بالتساقط على المستوطنات والمواقع العسكرية الإسرائيلية لأول مرّةٍ منذ بداية الثمانينات.

محاولات ديمقراطية

مع رحيل ياسر عرفات الزعيم الفلسطينيّ الأكثر شعبية وصاحب الشخصية الكاريزمية الثورية، وجد محمود عبّاس الرئيس الجديد المنتخب نفسه محاصرًا من أغلبيّة شعبه الذين لم ينتخبوه أو لم يشاركوا أصلًا بالانتخابات من جهة [5]، ومن أبناء تنظيم فتح من جهةٍ أخرى والذين ناهضوا الإجراءات التي انتهجها بعد قمّة شرم الشيخ عام 2005 لإنهاء الانتفاضة واستئناف محادثات السلام، ومن شروط الداعمين الأوروبيين والأمريكيين الذين ربطوا دعمهم بتحقيق الاستقرار من جهةٍ ثالثة، إضافةً للإسرائيليين الذين استمرّوا رغم كلّ شيءٍ بالقتل والتدمير والاستيطان والاعتداء على المقدسات.

ومع انخراط حركة حماس في المعترك السياسيّ بعد أن ضمنت حصّة جماهيريةً كبيرة، وفازت بالأغلبية الساحقة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية [6]، لترأس مشروع دولةٍ ضمن سياقٍ سياسيٍ مناقضٍ تمامًا للنهج الذي بدأته، إضافةً إلى عدم تقبّل بعض قيادات فتح لخسارة الانتخابات بإيجابية، الأمر الذي فجّر أزمةً قسمت مشروع الدولة إلى اثنتين، بوزاراتٍ وطواقمٍ وإعلامٍ وأجهزةٍ أمنية لكلٍّ منهما، بعد أن اشتبك الطرفان فسيطرت حماس على غزّة بقوّة السلاح فيما احتفظت فتح بالضفة الغربية بنفس الوسيلة.

وبدأ مسلسل الاعتقال السياسيّ والتراشق الإعلاميّ والحشد الجماهيريّ لكلا الطرفين، وكلما اقتربا من المصالحة كلما ازدادت الأمور تعقيدًا وتباعدت المسافات بينهما [7]، ليبقى المواطن الفلسطيني هو الخاسر الأكبر من قتلى وجرحى وسجناء، وتنزل أسهم الطرفين أكثر وأكثر، ويصبح الرأي العام الفلسطينيّ في حالةٍ من التشوّش والتناقض بين العقل والعاطفة.

حيث تراجعت شعبية فتح وقيادتها مع الحرب الإعلامية التي شنّتها حماس وإعلامها كسببٍ رئيس، والذي كثيرًا ما خاطب عاطفة الجمهور الفلسطينيّ واستغلّ عثرات السلطة الفلسطينية وفتح باتهامات التفريط والتخوين، كما تراجعت شعبية حماس بعد التناقضات الكثيرة في خطاباتها وسياساتها، وبسبب سعيها لإبقاء سيطرتها المطلقة على قطاع غزّة تحت كلّ الظروف والاحتمالات مع إهمال حياة المواطنين الذين عانوا كما الضفة الغربية من قمع الحريات بمختلف الأشكال.

راية العُقاب

مع قدوم ذكرى هدم الخلافة الإسلامية كلّ عام تزدحم فضاءات المُدن الفلسطينية برايات العُقاب، وهي أعلامٌ سوداء مكتوبٌ باللون الأبيض عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهي إحدى الرايات التي اتخذها نبيّنا محمد – صلى الله عليه وسلّم – في المعارك والغزوات، حيث يستخدمها حزب التحرير الإسلاميّ رايةً له.

وحزب التحرير الذي تأسّس في القدس عام 1953 هو حزبٌ إسلاميٌ عالميّ الانتشار، يهدف إلى إعادة الخلافة الإسلاميّة لتوحّد جميع المسلمين تحت رايتها في دولةٍ قويّةٍ تحميهم وتطبّق شرع الله بعد أن وصلت للحضيض أحوالهم وكرامتهم منذ الخلافة، دون القبول بحلولٍ وسطيّةٍ غير الخلافة الإسلامية مع تحريم العلمانية والديموقراطية بشكلٍ قاطع [8] رغم اشتراك الحزب سابقًا بالانتخابات البرلمانية الأردنية عام 1956 وحصولهم على مقعدٍ في حكومة سليمان النابلسي[9].

ومع أن للحزب قاعدةً جماهيريةً واسعةً في فلسطين والعالم، إلا أن أيديولوجيته لاقت نفورًا شعبيًا فلسطينيًا حتى من مؤيدي الحركات الإسلامية الفلسطينيّة الأخرى، كون الحزب الأقدم على الساحة من بين جميع الفصائل والتنظيمات الفلسطينية الأخرى انتهج نهجًا توعويًا فكريًا بحتًا، ولم يَقم بخطواتٍ عمليةٍ أو عسكريةٍ على الأرض، إضافةً لنبذه للقوميات في التي تحوّلت من مخططاتٍ استعمارية إلى وقائع يستميت الجمهور في سبيلها، وذلك ما جعل حزب التحرير ممنوعًا أو غير مرغوبٍ فيه في معظم الدوّل التي رأته تهديدًا أيديولوجيًا لأنظمتها لو استمرّ في التوسّع.

وكثيرًا ما حصلت صداماتٌ بين أجهزة السلطة الفلسطينية وحزب التحرير، بسبب خطاب الحزب الحاد وغير المتسامح مع الحلول الأخرى غير الخلافة الإسلامية بشروطٍ محددة.

الأتراك عادوا

بعد خسارة الدولة العثمانية للأراضي العربية التي كانت ضمن نطاقها وقبل أن يتحوّل نظام الحُكم فيها من خلافةٍ إلى جمهوريّة، ركدت العلاقات العربيّة – التركيّة حدّ القطيعة، في حين أن تركيا التي لازالت تحاول الانضمام للاتحاد الأوروبي بعد انضمامها لحلف شمال الأطلسي كانت تنسج خيوط الدفء والمصالح مع إسرائيل على نارٍ هادئة، حتّى فوز الإسلاميين ووصولهم لسدّة الحُكم، والذين أنعشوا علاقاتهم التاريخية القديمة مع العديد من الأقطار العربية بشكلٍ قويّ [10]، بعد أن كانت الصورة النمطية عن العربيّ في تركيا لتسعة عقودٍ بأنه الخائن الذي تسبب في ضياع معظم أراضي الدولة العثمانية وخسارتها الحرب.

نهوض العلاقات التركية – العربية والفلسطينية لم يكن على الصعيد السياسي فقط، بلّ على الصعيد الجماهيري أيضًا بعد أن أبهرت تركيا الفلسطينيين بإنتاجها التلفزيونيّ من المسلسلات، إضافةً للاستعراضات التي يقوم بها رجب طيّب أردوغان رئيس تركيا في التضامن مع الفلسطينيين وقضيتهم ودعمهم معنويًا أمام الجمهورين التركيّ والعربي؛ ما أكسبه شعبيةً كبيرةً ضمن صفوف الفلسطينيين، كذلك الأمر بالنسبة لاتخاذ العرب الذين أصبحوا في قاع بئر الرجعية الحضارية والعلمية والتكنولوجية لأيّ دولةٍ ناهضةٍ من هذا البئر نموذجًا يُحتذى به، ما انعكس اقتصاديًا بمليارات الدولارات من أفواج السُياح العرب المتوافدين على تركيا بعد أن أصبحت وجهتهم السياحيّة المفضلة الميسورة التكاليف، إضافةً لتحوّل تركيا إلى قِبلةٍ بديلةٍ عن الصين للتُجار الفلسطينيين، بعد أن غَزت بضائعها رفوف المتاجر الفلسطينية.

وعلى الرغم من قوّة العلاقات بين تركيا والفلسطينيين بعد أن نسي فلسطينيوّ اليوم أتراك الأمس ونسي أتراك اليوم فلسطينيي الأمس، فإن علاقاتها الإسرائيلية رغم تذبذبها قد بقيت قويّةً مليئةً بالمصالح المشتركة على أصعدةٍ كثيرة، حيث سعت تركيا لتوسيع علاقاتها بأكبر قدرٍ ممكنٍ سعيًا في أن تصبح قوّةً سياسيةً واقتصاديةً عُظمى.

وقد ساهم نموّ شعبية تُركيا لدى الجمهور الفلسطيني في تعزيز عاطفتهم تجاه الدولة العُثمانية، ورأى البعض في أردوغان الذين أقسم على الدفاع عن مبادئ مصطفى كمال أتاتورك [11] الخليفة العُثماني القادم، خصوصًا بين صفوف أبناء ومناصريّ حركة حماس، الذين تغيّرت مواقف حركتهم السياسية مؤخرًا مع انفجار الأزمة السورية بتذبذباتٍ مع إيران وسوريا وتقارباتٍ مع قطر وتركيا [12].

ماذا نريد؟

على الرغم من أن الإسلام هو دين الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين، إلا أن كثيرًا منهم يفضلون دولةً وطنيّةً لأسبابٍ مختلفة، أبرزها غياب نموذجٍ إسلاميٍّ مثاليٍّ مُعاصر، فلا تتبادر إلى أذهانهم سوى تجربة الظُلم الذي عاشه أجدادهم نهاية الحُكم العثماني، وظهور «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» الذي شوّه صورة الإسلام عالميًا، كما أن تجربة تطبيق الشريعة الإسلامية في المملكة العربية السعودية فشلت بسبب غياب العدل وفساد الحُكّام وازدواجيتهم وتواطؤهم سياسيًا ضدّ المصالح العربية والإسلامية.

وهناك من فقد الأمل بالوحدة العربية بعدما فشلت الجمهورية العربية المتّحدة بين سوريا ومصر، وتقهقرت جميع الجيوش العربية أمام دولة الاحتلال الإسرائيلي حديثة النشأة، إضافةً لتواطؤ الكثير من حُكّام العرب في مؤامراتٍ لإنهاء القضية الفلسطينية التي كلما أرادوا تبرير قمعهم لشعوبهم جعلوها السبب، وفي تطبيعهم مع الكيان الذي لطالما وصفوه في خطاباتهم بالعدوّ.

ومن يؤمن بالوطنية الفلسطينيّة يرى أن للفلسطينيين وحدهم الحقّ في تقرير مصيرهم، وأن لهم هويتهم المستقلة التي باتت تميزهم عن باقي الأقطار المجاورة بتجربتهم التاريخية المختلفة، وباتت مرجعيتهم التاريخية للكنعانيين والفينيقيين كما الأنباط للأردنيين والفراعنة للمصريين.

وأما الإسلاميون فانقسموا بين وسطيين غير معارضين أو متماشين مع فكرة الوطنية الفلسطينيّة ومتشددين وصلوا حدّ تكفيرها، فهم يرون في القومية انقسامًا وضعفًا وتشرذمًا أدى إلى جعل المسلمين مستضعفين مشتتين، وأن استباحة العالم لدماء المسلمين وأعراضهم جاء بعدما سقطت الخلافة الحامية لهم ولكرامتهم.

هذه الانقسامات في الآراء ووجهات النظر، شتّت الفلسطينيين دونما إطارٍ واحدٍ يجمع شملهم، فأصبح من يؤيد استقلال غزّة عن الضفة مقابل دُعاة الوحدة الوطنية التي لكلّ طرفٍ فيها رؤيته، وهناك من يؤيّد الرضا بالأمر الواقع وقبول حلّ الدولتين أو دولةٍ واحدةٍ ثنائية القومية بعكس من رفض الخضوع ولا يقبل سوى دولةٍ فلسطينيةٍ من النهر إلى البحر، إضافةً لوجود من يرفض حتّى تخيّل دولةٍ فلسطينيةٍ دون التوحّد مع أخواتها العرب، كما أن هناك من لا يقبل دولةً لا تحوي كلّ المسلمين وتطبّق الشريعة الإسلامية.

ولو أردنا كبشرٍ ننتمي إلى هذه البُقعة الجُغرافية أن نسير حيثما نُريد، فعلينا تحديد ما نريد، وتعريف مصالحنا وأهدافنا قبل كلّ شيء، وأن نفكّ عن رقابنا الحبال التي تشدّنا في كلّ اتجاهٍ ونسير في الاتجاه الذي نراه مناسبًا، فوحدتنا وتفاهمنا وتقبّلنا لبعضنا وتقديم المصلحة العامّة بالعقل والمنطق على مصلحة الحزب أو التنظيم هو المفتاح الوحيد لصمودنا في أرضنا أمام الاحتلال ومؤامراته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد