كان لسكان فلسطين وبلاد الشام النصيب الأكبر في تذوق مرارة الحرب العالمية الأولى وويلاتها، والحظ الأقل في تسليط الضوء على معاناتهم وآلامهم، ورغم مرور 100 عامٍ على انتهاء الحرب، فإن آثارها وانعكاساتها لا زالت تهزّ أركان الشرق الأوسط في تراكمٍ مستمر حتى يومنا هذا، فنتائجها كانت الإعلان الرسميّ لانسحاب العرب والمسلمين من موازين القوى والحسابات بعد أكثر من 13 قرنًا من الأهمية والتفوق.

وأصبحت بقايا الدولة العثمانية من الأراضي العربية غنائم تتقاسمها الدول المنتصرة، وبات العرب هم الخاسر الأكبر على الإطلاق في حربٍ قِيدوا إليها رغمًا عنهم، واضطروا إلى دفع أثمانها لجميع الأطراف دون أن يكون لهم بذلك قرارٌ بعد أن عصروا الليمون على جروجهم، وطووا صفحات آلامهم للأبد.

انتشار الظلم والموت والفقر والجوع في بلادنا طغى على أيّ شيءٍ آخر في سنين السفربرلك، فبعد حصار دول الحلفاء البحريّ للدولة العثمانية، وموجات الجراد غير المسبوقة التي تتالت على فلسطين لتأكل أخضرها ويابسها، ونهب الدولة العَليّة للُّقيمات الباقية من أفواه كل منكوبٍ وجوعان بعد أن اقتادوا أولادهم للموت في سبيل سلالة عثمان، فإنه ليس غريبًا لو كان قشر برتقالة مهر عروسٍ حينها [1].

تلك الأيام شكّلت المخاض الوجداني لنضوج الفكر القومي لدى العرب، لتبدأ معاناة حُفّت سطورها بالدمّ من مكتب جمال باشا السفاح في دمشق، مرورًا بكل أصناف القهر والتعذيب في ديوان عاليه العُرفي بجبل لبنان، وانتهاءً بمشانق بيروت ودمشق والقدس، وبعد أن أدرك العرب أن هؤلاء ليسوا من عاشوا تحت رايتهم أربعة قرون، وأن حماة الدين والديار لم يعودوا يريدون للعرب ولغتهم وجودًا في دولتهم التركية إلا وقودًا لحروبهم، فكان الاستقلال بدولةٍ تحمي العرب وهويّتهم الحلّ الأخير بعد أن أحرق الأتراك كل الجسور الأخرى.

الثورة العربية الكبرى

من مكة المكرمة أعلن «الشريف حسين بن علي» أحد أكثر وجهاء العرب احترامًا في حينها ثورةً هدفها استقلال العرب عن العثمانيين، ولم يكن القوميون العرب وحدهم الذين التفّوا على الشريف حسين، فالإنجليز الذين لطالما حاولوا سابقًا هم والفرنسيون دون جدوى استغلال القوميين العرب في بلاد الشام والتحالف معهم باعتبارهم طابورًا خامسًا ضد الدولة العثمانية التي سُميّت «برجُل أوروبا المريض»، قد استطاعوا أخيرًا التحالف مع الشريف حسين في حركته الانفصالية. [2]

وهكذا ضاع العرب وضاعت أحلامهم مع نهاية الحرب العالمية الأولى، بعدما دفعوا ثمنًا غاليًا لثورتهم التي لم تحقق مرادها بين مماطلة بريطانيا وخداعها، وغدر فرنسا وأطماعها، وأنانية وجشع أمراء الثورة وزعماء العشائر العربية الذين بحث كلٌ منهم عن نصيبه من الحكم والغنائم والثروات، مما لم تمسّه بريطانيا وفرنسا من فُتات.

وماتت أحلام العرب قبل أن تتحقق، وجائت اتفاقية سايكس-بيكو لتقسمنا إلى أقاليم أصبحت فيما بعد دويلات متباينة بقوميات هشة، فسكان أريحا التي إن ناديت من على أسطح منازلها سيسمعك سُكّان الشونة قد أصبح أهلها فلسطينيين والأخرى أردنيين، وكذلك الأمر مع العقبة وحائل، وصفد والنبطية، والرمثا ودرعا، وغيرها من أقطار هذا الوطن المتمزّق، الذي ساهم سُكانه في تمزيقه أكثر من أيّ أحدٍ آخر.

نكبة جديدة وحلم جديد

أقصى مطالب العرب الذين ظنوا أن بريطانيا ستمنحهم إياها كانت دولة عربية مستقلّة في شبه الجزيرة العربية والعراق والشام، لكن الدولة المستقلة الوحيدة التي أرادت بريطانيا تأسيسها آنذاك هي دولةٌ لليهود على الساحل الشرقيّ للبحر الأبيض المتوسط [3]، مستغلّةً تقسيمات سايكس-بيكو الجديدة وبنيتها المتشرذمة، إضافةً إلى تواطؤ كثيرٍ من حُكّام العرب الذين قبلوا مقايضة فلسطين مقابل الحفاظ على كراسي حكمهم.

وهكذا كانت حربٌ ثالثةٌ بعد حربين عالميتين لتُسلخ فلسطين عن باقي محيطها العربي، ويُشرّد سكانها في أقطار المعمورة فيما عُرف بالنكبة، وتؤسس دولة الكيان الصهيوني «إسرائيل» التي بظهورها سيكون تشرذم الدوّل العربية مصلحةً غربية لضمان استمرار حارسة مصالحهم في المنطقة.

وضريبة الحرب التي دفعها العرب هذه المرّة لم تكن دمًا ومالًا فحسب، بل كانت كذلك أرضًا من أكثر أراضي العرب والمسلمين خيرًا وجمالًا وأهميّةً وقداسة، وانقلب حال ساكنيها الذين طُردوا من بيوتهم الحجرية العريقة وحقولهم وبساتينهم وبياراتهم، وأصبحوا في خيام الدول المُجاورة التي كانت في يومٍ من الأيام وطنهم، ليكونوا من الآن وصاعدًا لاجئين بلا حقوقٍ مدنيةٍ أو مساواة.

ولكن أملًا جديدًا أشرق من بلاد النِيل، حلمٌ كبيرٌ خرج ببزّته العسكرية من بين الفلاحين والمواطنين البسطاء، وِسعه مسقط شرقًا والدار البيضاء غربًا، يكسر سوط الباشا وصلوجان المَلك، ويفضح العملاء والمتخاذلين من الزعماء الذين باعوا قرّة عَين العرب فلسطين، هكذا كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر في نظر الشعوب العربية المقهورة قهرًا بعد قهر، عندما انتزع حقّ المصريين بكلّ شجاعة بعد قراره الجريء بتأميم قناة السويس، وخرج من العدوان الثلاثيّ منتصرًا، ودعم الشعوب المظلومة الواقعة تحت الاستعمار، ويبدأ حلمٌ عربيٌ جديدٌ كبير، انخرط فيه الفلسطينيون بعدما كاد الأمل أن ينساهم.

عصر الكوفية

جميع الثورات والاحتجاجات التي خاضها الفلسطينيون ضدّ الانتداب البريطاني امتازت بالطابع القومي العربي والإسلامي، وكذلك الأمر بالنسبة للعرب والمسلمين الذين هبّ خيرتهم فتيةً وشبانًا وحتى شيوخًا مسلمين ومسيحيين للدفاع عن أولى القبلتين ومهد المسيح عليه السلام، واستمر الشعور القومي العربي الشامل لدى الفلسطينيين حتى جاء المنحنى الذي غيّر الوقائع في رأسهم قبل أن يُغيّرها على الأرض.

كانت نكسة 1967 حربًا أخرى يدفع العرب ثمنها كالعادة، لكن هذه المرة فإن الضريبة المدفوعة أكبر وفي مدّةٍ لم تتجاوز الستّة أيام، ليتلاشى مع نهايتها القادة والجنود والدبابات والطائرات والصواريخ والخطابات وغناء الإذاعات والدوّل مع بدء توافد الجنود الإسرائيليين الذين جاؤوا للتنزّه في الأراضي الجديدة التي احتلوها.

لبس الفلسطينيون كوفيتهم كما لبسوها ثورة عام 1936، وقرروا أنهم هم وحدهم القادرون على تحرير فلسطين، وبدأت التنظيمات تلو الأخرى تتكاثر وفق تباين الأيديولويجات والرؤى، وعِوضًا عن أن يتوحّد الفلسطينيون تشتتوا وازداد تشرذمهم تشرذمًا، ورغم الضربات الموجعة التي نفذها الفدائيون في عُمق الأراضي المحتلة، والتي لم تقم بها جيوش العرب مجتمعة، إلا أن قلة ثقة الأنظمة العربية ومخابراتها بالفصائل، ومحاولة التحكّم بها، والخلافات التنظيمية الداخلية والخارجية، والتجاوزات العميقة للعديد من الخطوط الحمراء في الأردن ولبنان؛ رمت بهذه التنظيمات بعيدًا عن خطوط التماس إلى شواطئ تونس. [4]

البقية في الجزء الثاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد