طالما كان موضوع الهوية موضوع شائك في الوسط الثقافي وتَختلف طريقة تعريفها من فئةٍ لأخرى، فالبعض يعتقد أن هويته شيء اختياريّ بالكامل وهو من يحدد الأولويات التي تناسبه وتناسب أفكاره دون أن يلتزم بأيّ شكل من أشكال تحديد الهوية حسب الواقع الذي يعيش به أو الجنسية  التي ينتمي لها أو الأقليم  الذي نشأ به واللغة التي يتحدث بها، ولهذا يَرفض أن تُفرَض عليه أيّ هوية تتعلق بأحد المعايير التي ذُكرت سابقاً.. وذلك  الرفض يكون بالاعتماد على التاريخ والأصول العرقية والقومية للمنطقة ولهذا يعود بالزمن آلاف السنين ليبحث بتاريخ المنطقة ويختار أحد الحضارات الأولى ويبني كُل انتماءه على تلك الحضارة للغةً ووجود وثقافة، وبنفس الوقت يتجرَّد من كُل الانتماءات في واقعه ويحاربها نوعاً ما باسم أنهم المحتلون لأصوله التاريخية وسبب كُل التخلف الذي نحن به وكأنه متأكد بشكل كامل أن مُستقبل تِلك الحضارة التاريخية “أقصد واقعنا اليوم” التي عاد إليها سوف يكون مُزدهر لولا اندثارها من قبل قومية مُخالفة لها ويتم تطبيعها اليوم في المنطقة.

 هذا الأمر أصبح واضحًا في الفترة الحالية وشوهد الكثير من ردات الفعل التي تقدم أمثلة عملية على الفكرة المذكورة.. وأقصد بالتحديد التجَرُّد الكامل من الانتماء العربي واللغة العربية والانتفاضة ضدهم بكل الأشكال؛ منها المتطرفة العنصرية التي تُجسِّد العرب “بالتعميم” على أنهم المتخلفون والبدائيون والغير متحضرين ويرافق ذلك كمّ كبير من العبارات العنصرية الموجهة للمُنتمي وليس للانتماء، أقصد تحديداً الموجهة للشخص الذي يعتبر نفسه منتمي للقومية العربية وهذا من دون شك يعتبر خطاب عنصري وتميزي “حسب تعريف خطاب الكراهية من منظمة العفو الدولية” .. والأمر لا يتوقف هُنا بل يتصاعد بأن يتم التعميم العكسي وأقصد أن كُل فعل خطأ من شخص يتحدث اللغة العربية يتم تعميمه على القومية بنفسها دون وجود رابط واضح لفعل هذا الشخص مع المصفوفة الفكرية لتلك القومية، وهُنا بدأت الصورة بالتشوه أكثر ما هي مشوهة.

وإذا درسنا أسباب هذا التشويه الذي يحصل بالطبع لن نجد القومية العربية أنها بريئة بالكامل ولكن مهما كانت تَمتلئ بالفجوات والاحتواء للتيارات المتطرفة الدينية، ليست بالسوء الذي يتم تصديره عبر الإعلام والفئات المنفصلة عنها والمجتمع الداخلي نفسه الذي يُعمّم عليها هذا الخطاب المنحاز وكأن كُل التاريخ لم يحتوي ناحية مشرقة في الحضارة العربية تَستحق الذكر.. وعلى كل حال الموضوع ليس هو وضع تقيمات للقومية العربية أو غيرها أو دراسة التاريخ واستحقاق الدعم أو الرفض لقومية مُعينة بل هذا يحتاج لتفاصيل موسعة جداً.

الفكرة هي أن ردة الفعل التي تحصل غير مستندة على دراسة تاريخية بقدرِ استنادها على استراتجية للهروب من واقع سيء ومشوه يفتقر لقيمة الفرد والانتماء، وهذا من مبدأ سيكلوجية الإنسان عندما يعيش في مجتمع متخلف، ولهذا يعودون إلى قومية تاريخية شبه مُندثرة مثل السيريان ويعطونها كمّ من التقديس والانتماء ومحاولات الإنعاش لتعود من جديد قوميةً ولغةً وأقليمًا وحضارة.

أعتقد هُنا يجب أن يوَّضح نقطتين قبل أن نكمل تحسبًا من الفهم الخاطئ:

النقطة الأولى هي أن ما يُذكر من أمثلة في المقال مثل القومية العربية واللغة العربية ليس بهدف التهليل لهم ولا بهدف انتقادهم، بل هم أمثلة عن واقع اجتماعي نتعايش معه، ولهذا نحتاجهم لتشريح فكرة الهوية وسبب تقديس القوميات التاريخية بشكل مبالغ به، وينفس الوقت شرح سبب رفض القوميات المعاصرة بشكل مبالغ فيه أيضًا وقَد يصل للعنصرية.

النقطة الثانية هي أنَّ ذكر القومية السيريانية هُنا ليس بهدف رفض لمحاولة إنعاشها أو الانتماء لها والاعتراف بها لغةً وإقليمًا وحضارة وثقافة، بل للجميع كامل الحرية في الانتماء القومي وممارسة طقوس معينة تدّل على هذا الانتماء.. واعتقد أن القومية الكردية خير مثال على ما أقصد، ولكن لنبقى مع مثال القومية السيريانية كونها الأدق لدراسة الفكرة.

الآن لنعود لتشريح هذه الظاهرة، ولنبدأ من شخصية الكاتب أمين معلوف كما عرف نَفسه في كتابه «الهويات القاتلة»، يصف أمين معلوف نفسه أنه عربيٌ مسيحيّ لغته العربية وينتمي لعائلة مسيحية من أصول تاريخية قبل وجود الدين الإسلامي بحد ذاته، وبنفس الوقت هو فرنسيّ كما هو لبنانيّ، وهُنا يجب أن أعرف الهوية على الشكل التالي: هي مجموعة تَرتيب الأولويات والعناصر التي تُشكل الشخصية حسب مكان ولادتها واللغة التي تتكلم بها والجنسية التي تحملها والأصول العرقية للعائلة التي تنتمي لها وهذا نصف تشكل الهوية لكلٍ منّا سواء قبلنا ذلك أو لم نقبله، والنصف الآخر هو ما يميزنا عن هوية الآخر من أفكار ومعتقدات.. ولهذا وحسب رأيِّ الشخصي أن إصلاح الخطاب العنصري ضد الشعوب وتعديل الصور المشوهة أفضل من التَجرد بشكل كامل “وجهة نظر خاصة بعيدة”

لكن بما أن الأمر كذلك لماذا نَرفض بعض العناصر من هويتنا ولماذا نُقدس بعض العناصر الأخرى أو لماذا نحاول التجرُّد بشكلٍ كامل من أيّ عُنصر مع أنه يتضح في لغتنا وملامحنا واسمائنا وتفاصيل أفكارنا المعرفيّة والجنسية التي نحملها؟!

سبب الرفض المتطرف لأحد عناصر الهوية “سوف نتكلم عن الهوية العربية كمثال في هذا المقال” هو ردة فعل من حالة الفوضى التي تملأ الشرق الأوسط، ولأن هذه الحالة قَد لطخت كلمة عربيّ بالتَطرف والهمجية والإرهاب على المستوى الداخلي والخارجي وبكل التفاصيل الإعلامية والدولية، قد بدأت الملاحقة التاريخية لتقييم الحاضر والهروب من هذا الواقع وهذا الانتماء المُلطَّخ، وهُنا سوف استعين ببعض الأفكار من كتاب “التخلف الاجتماعيسيكولوجية الإنسان المقهور” للدكتور مصطفى حجازي:

«الإنسان المقهور في دول العالم الثالث دائمًا يستخدم طرقًا وهمية للهروب من واقعه والتخلص من التَسلط القائم عليه، وهذا لغاية الشعور بقيمته؛ ولهذا يستعين بالتاريخ ليبحث عن حقبة زمنية معينة كَثرت بها الأمجاد وواضحة المعالم ويَتمسك بها وبالانتماء لكل التفاصيل بتلك الحقبة الزمنية».

وهنا يأتي دور القومية التاريخية السيريانية في مجتمعنا الحالي وسبب التمجيد الكبير لها وبالمقابل إطلاق الخطاب العنصري ضد القومية العربية ومن ينتسب لها وجمع الشعوب تحت كلمة «عرب» وتحويل تلك الكلمة إلى شماعة تُعلق عليها كُل مشاكل دول العالم الثالث، تِلك المحاولات المبالغ فيها بالعودة للقومية التاريخية وتشويه القومية الحالية بتحميلها كل أسباب التخلف وجعلها مشوهة لدرجة كبيرة وكأن كلمة عربي أهانة بحدِ ذاتها “بالرغمِ من أنها أحد عناصر هويتهم وأحد عناصر البناء الحضاري التاريخي في المجال العلمي والأدبي والفني” لكن غالبًا ما يتم النظر لها من زاوية رؤية واحدة وهي الزاوية التاريخية الأصولية لهم وبناء كل تقيمات الشعب العربي اليوم حسب أخطاء الشعب العربي والسلطة القومية العربية قبل مئات السنين!

ومن زاوية رؤية عملية وإنتاجية في المجتمع: أن تقدس قومية تاريخية معينة بشكل كبير ومبالغ به لا يختلف كثيرًا عن النفور من قومية تاريخية مختلفة بشكل عنصري ومبالغ فيه، الأثنين هم محاولة تجرد وهروب، والسبب أن تقديسك للهوية القومية السيريانية لن يقدم شيئًا للمجتمع ولن يقدم إنتاجية تذكر على المستوى العملي، وبالنهاية نحن في واقع مختلف عن شريعة حمورابي واللغة السيريانية المهجورة من مئات السنين، بل واقع يحتاج إلى إنتاجية منطقية تساعده على التقدم مرحلة للأمام وليس للخلف.

(مع ذكر أن للجميع كامل الحرية في تقديسهم أو إنعاش اللغة السيريانية والحضارة السيريانية والدراسة التاريخية لكل الحضارات ومحاولة الحفاظ عليها وعلى أثرها، لكن تبعًا للمستوى المعقول كدراسة فقط وليس كحل عملي لتَقدُّم المجتمع).

وبالجهة المعاكسة عندما ترفض القومية العربية واللغة العربية وهذا الرفض مبني على ردة فعل من التاريخ العربي والدين الإسلامي كونهم أحجار الأساس التي أبقت هذه اللغة والقومية ونشرتها قمعًا وهذا ما تسبب في اندثار الكثير من القوميات التاريخية.. هذا الرفض المبالغ به لن يشكل إنتاجية للمجتمع لأن التخلف اليوم هو تخلف فكري له جذور دينية وقبلية سياسية وليس تخلفًا قوميًّا أو لغويًّا، بل يوجد اللاديني العربي، المسيحي العربي، الأديان الباطنية التي تنسب نفسها للقومية العربية أيضًا …إلخ ولهذا الموضوع ليس متعلقًا بشكل مُتَجذِّر بالدين الإسلامي فقط أو يعني أن رفض الدين يعني بالضرورة رفض القومية واللغة التي اعتمد عليها بالانتشار.

لهذا كون الشخص عربيًّا أو سيريانيًّا أو كرديًّأ أو أمازنغيًّا أو غيرهم، هذا لا يزيد ولا ينقص من ذكائه أو قيمته ولن يتحول من جاهل إلى عالم بمجرد تغيير القومية أو التجرد من قومية أو الاعتراف بقومية تاريخية، بل كل هذا هو هوامش يتم رمي عليها أسباب التخلف لكي يشعر الشخص بقيمته ويرفض القومية العربية المشوهة والتخلص منها، وهكذا للأسف يبتعد عن الحلول الحقيقية في البناء الاجتماعي.

لكن كما يذكر لنا الكاتب أمين معلوف:

 أنَّ الإنسان دائمًا يتمسك بهويته المهددة ويتناسى باقي العناصر أو يرفضها بشكلٍ تام، ومن هنا تنطلق كلمة هم ونحن ودائمًا هم المتخلفون والمجرمون ونحن الحضاريون والمظلومون أو العكس، وبعدها تتحول الهويات إلى هوياتٍ قاتلة تَزرع التفرقة القومية بين أبناء الأقليم الواحد.

لنشرح ذلك على الشكل التالي: عندما يكون هناك مسلم في مجتمع قامع للهوية الدينية الإسلامية سوف تُصبح كلمة مسلم الأولوية التي يتمسك بها، بالمثل إن كان هناك إنسان من أصحاب البشرة السوداء في مجتمع عنصري من أصحاب البشرة البيضاء، سوف يتمسك بهويته العرقية كأولوية.. وهذا يعيدنا للنقطة ذاتها التي تقول أن التمسك بالهويات التاريخية أو العرقية أو الدينية أو القومية له عدة عوامل في سيكولوجية الإنسان وليس بهدف التقدم الاجتماعي أو الإصلاح.

أخيراً يجب توضيح بعض المغالطات التي يُمكن أن تطلق على هذا المقال أو في أيّ حوار شبيه:

ليس كل مدافع عن قومية أو جزء منها أو البعض من ترسباتها مثل اللغة هو منتمي لها، بل من المحتمل أنه يرى الموضوع من زاوية أخرى وهي اقتباس بعض مناحي هذه القومية كونها توفر إنتاجية أفضل كونها الحل الأقرب “حسب رأيه” لتقدم المجتمع ولا يوجد بديل عنها، ومجرد التفكير في بديل مقتبس عن قومية تاريخية مندثرة هو هدر للوقت وسلك طريق طويل نحن بغنى عنه.

الموضوع ليس رفض انتماء لأحد أو رفض حرية أحد في انتقاء انتمائه القومي، بل هو إيضاح للصورة من نظرة محايدة وبشكل عملي.

والأن ما رأيك أن تكتب لنا في التعليقات كيف تُعَرِفْ هويَّتك!

من أنت؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات