عامر العروقي

114

عامر العروقي

114

ُعرف أغلب الباحثين في الفكر القومي الأوروبي، الدولة على أنها الشرط الضروري للانتقال من مستوى الجمهور المتشتت (الشعب) إلى مستوى الأمة (Nation) التي تعيش داخل حدود جغرافية متعارف عليها، فإما أن تكون قائمًا على فكرة المواطنة كما يُعرفها التصور الفِرنسي، أو أن تكون قائمًا وفقًا للمقومات الثقافية والاجتماعية كما هو التصور الألماني، وتعود هذه التصورات إلى حقبة النزاعات الأوروبي على ميراث الإمبراطورية الرومانية المقدسة (معظم أراضي ألمانيا الحالية) في القرنين السادس والسابع عشر، إلى أن تم توقيع صلح وسيفاليا، والذي بموجبه نالت بعض الدول استقلالها القومي عن الإمبراطورية المقدسة منذ ذلك الحين أصبحت الدولة كجسم اجتماعي محلًا لدراسة الباحثين في العلوم الإنسانية وأهمها علم الاجتماع، والاقتصاد، والتاريخ، مما فيه أثر على تكَون الفرد داخل الحدود السياسية لمجتمع الدولة وانتمائه لهذه الحدود.

الوطنية والقومية

_الدولة الوطنية تُعرف على أنها شعور الفرد (نواة المجتمع) في الانتماء إلى امتداد جغرافي بكل ما يتضمنه من معالم جغرافية وبشرية ونظام سياسي.

_والقومية هي شعور الفرد بأنه جزء لا يتجزأ من مجتمع متجانس باللغة والتاريخ والثقافة، بمعنى آخر هي القوم أو القبيلة التي ينسب إليها الفرد، لذلك نرى أنه نادرًا ما يتوافق الحزب السياسي المؤدلج مع القومية أو الطائفة الدينية.

البحث عن الهوية القومية للدولة

هناك اختلاف في وجهات النظر بنسبة إلى قومية الدولة، ففريق يقول إن القومية لا تتعارض مع الديمقراطية، ويعلل بأن بقاء كل دولة محافظة على قوميتها داخل الحدود المرسومة لها ولا تؤثر على  جيرانها أو تصدر له الأيديولوجية القومية أو تساعد في تمويل تمرد ضد نظام ما بسبب القومية المشتركة هذا يضمن السلم والأمن الدوليين، والطرف الآخر يقول إن الدولة القومية تتنافى مع الديمقراطية؛ لأنها بذاك ستضطهد حقوق الأقليات وحقوق اللاجئين، وتقف عائقًا أمام التنوع الحضاري والثقافي.

الدولة الأوكرانية على سبيل المثال، فهي كانت ضمن مناطق نفوذ الإمبراطورية الروسية التي انهارت على يد الثورة البلشفية عام 1917، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت ضمن دول الاتحاد السوفيتي إلى حين انهياره هو الآخر مع انتهاء حقبة الحرب الباردة، ومن آثار الانهيار النموذجين ظهور دول جديدة، حيث دأبت معظم الجمهوريات السوفيتي السابقة إلى البحث عن هويتها الوطنية وإعلان استقلالها، في العودة إلى الدولة الأوكرانية، فهي تحاول ومنذ أكثر من عقد التخلص من إرث الاتحاد وتعزيز هويتها وحضارتها الثقافية، وأهمها اللغة الأم للدولة (الأوكرانية) والتخلص من اللغة الروسية التي فرضت فرض على جميع دول الإمبراطورية ودول الاتحاد لاحقًا الذي لم ينظر إلى أن الجمهوريات متعددة النسيج القومي والديني، وهذا بدا واضحًا في سرعة انهيار الاتحاد، وعدم الولاء أو عدم الرغبة في الاستمرار  بنظام سياسي واحد؛ لأن ثمة تعارضًا بين الهوية السياسة المؤدلجة والهوية القومية.

 شبه جزيرة القرم التي احتلتها روسيا بناءً على استفتاء لا يعترف بنتيجته إلا موسكو، والتي هيجت مشاعر المواطنين المتربطين ثقافيًا ولغويًا واجتماعيًاً بالثقافة الروسية، وخصوصًا الناطقين باللغة الروسية، مع العلم أن القومية التتارية التي تم اضطهادها عرقيًا واستبعادها عن البلد الأم القرم على يد ستالين، رفضوا هذا الاستفتاء، لكن كانت حجة التدخل الروسي بذريعة حماية الأقلية الروسية هناك تحتاج لتمدد النفوذ الروسي، وكذلك أبخازيا الجورجية التي احتلها روسية وأعلنت قيام الدولة الأبخازية لا يعترف بها أحد أيضًا، إلا موسكو، تم منع تعلم اللغة الجورجية، واستبدلت اللغة الروسية لإلغاء الإرث الحضاري للقومية الموجودة هناك بالإكراه.

فأغلب بلدان العالم متعددة النسيج القومي والديني، تنازع الدولة الوطنية الحديثة – على عكس الدولة الإمبراطورية السابقة – إلى فرض الانسجام الثقافي واللغوي في نسيجها الاجتماعي، بالقوة والإكراه أحيانًا (كما كان الشأن في الدول الأوروبية الكبرى قبل الثورات الديمقراطية) وبالآليات القانونية والتربوية والإدارية غالبًا.

إقليم كردستان العراق الذي ظهر كنتيجة لتفكك الإمبراطورية العثمانية، عانى الإقليم الكثير من سياسية حكومة بغداد المركزية حتى بعد الإطاحة بنظام صدام حسين ازدادت وتيرة الخلافات نظرًا لأن حكومة بغداد تتشكل من أغلبية شيعية، والإقليم أغلبيته سنية، وهذا ما يؤكد أن الهوية السياسية تتعارض مع الهوية القومية، ومع تصاعد طفرة المعلومات وعولمتها وتشعب مصادر التنمية الإنسانية أصبح أصحاب القوميات يشعرون بأنهم الأحق في تمثيل شعوبهم من غيرهم، وطالبوا بحق تقرير المصير الذي تقره المواثيق والمعاهدات الدولية والذي يعتبر بحد ذاته حجرة الاساس لبناء دولة بنظام سياسي وفقًا للنظم الديمقراطية، وما حصل في إقليم كتالونيا أيضًا كصورة مشابهة يريد التخلص من الدولة المركزية لإقليم متجانس باللغة الواحدة والثقافة والتاريخ الواحد، هذا الوعي القومي جاء بعدما عجزت الحكومات عن وضع حد لوقف تدفق المعلومات ووصلها لمتناول المواطنين في ظل العولمة المعرفية، وفي ظل الطفرة الإلكترونية التي أفرزت وسائل التواصل الاجتماعي أو منصات الحشد الجماهيري للأفكار التي لطالما حاول المجتمع السياسي حجبها عن المواطنين عن طريق مؤسساته المروجة لفكرة ذوبان القوميات واستبدلها بأيديولوجيا سياسية متجددة بما سمي لاحقًا بالدولة العميقة، أيضًا زيادة عدد المؤسسات العابرة للقارة الممثلة للمجتمع الدولية وتعزيز دور المجتمع المدني في التثقيف والتوعية، طرح الكثير من التساؤلات لأبناء القوميات لما عليهم من واجبات، وما لهم من حقوق، وأهمها حق تقرير المصير.

وفي الختام كيف سيكون شكل المجتمعات المستقبلية بعدما بدأت تطفو إلى السطح بوادر انهيار الدولة الحديثة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك