ضج لبنان في الأيام الماضية بخبر تناقلته على عجل وسائل الإعلام بما يشبه «الخبر-الفضيحة»، عن قيام رئيس الجمهورية بمنح الجنسية لحوالي 300 شخص من جنسيات مختلفة: سورية وعربية وغربية وآسيوية.

في موازاة ذلك ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بأسماء وصور انتقائية لبعض الشخصيات السورية، المفترض أن مرسوم التجنيس يشملهم، كونها شخصيات مقربة من الرئيس السوري بشار الأسد.

لم يخفت هذا الضجيج حتى بعدما تبين أن المرسوم قد طال موالين ومعارضين للرئيس السوري على حد سواء. وطبعًا استنفرت الماكينات الإعلامية في محاولة للربط بين المرسوم وبين التخوف من نية دولية لتوطين اللاجئين السوريين في لبنان.

يتزعم هذه الحركة بالتأكيد القوى المسيحية التي تعرف بالسيادية والتي رغم دعمها المشكوك بمفعوله للعهد، فهي لا تترك مناسبة للتصويب عليه أو على فريقه السياسي. ولكي يكتمل المشهد تشارك في هذه الحركة الاعتراضية قوى مختلفة ممن كانوا في حكومة العام 1992، التي جنست عشرات آلاف من غير المستحقين عام 1994، والذين جنسوا لخلق كتلة انتخابية مدارة من سلطات ذلك الزمان.

أما الربط الآخر في هذه المسألة فهو التركيز على أن المجنسين هم من كبار رجال الأعمال في محاولة للإيحاء، غير المعلن صراحة، بأن هناك من قبض ثمنًا لهذه العملية، والنيل بالإيحاء من نظافة يد الرئيس. وتكفلت ماكينات مواقع التواصل الاجتماعي بالقول صراحة ما قاله السياسيون تلميحًا».

في نهاية عهد الرئيس السابق ميشال سليمان حصلت عملية تجنيس أوسع مدى من تلك التي وقعها رئيس الجمهورية. لكن الاعتراض عليها بقي في حدود حفظ ماء الوجه ولم يتحدث هؤلاء يومها عن تلوث الرئيس سياسيًا أو ماليًا رغم تجنيس العديد من المحسوبين على الرئيس السوري في تلك الدفعة. والمعروف أن الرئيس سليمان عزيز جدًّا على قلوب السياديين وهم يعتبرون الدور الذي لعبه خلال ولايته نموذجًا لما يجب أن تكون رئاسة الجمهورية عليه.

لست أحاول في هذه المقالة الدفاع عن هذا المرسوم، وأنا لا أعرف حيثياته. ولكني بالتأكيد أعرف حيثية من وقعه، وأعرف أنه ليس عابر سبيل جاء ليرتاح ولاية على كرسي. وأعرف أكثر أن تاريخ هذا الرجل لم يعرض ولم يتلطخ يومًا بالبيع والشراء، لا بالتجنيس ولا بالتوطين ولا بالوصاية ولا بالاحتلال ولا بغيرها.

إن منح الجنسية المحصورة سياسة تعتمدها الكثير من دول العالم (وليس المعنيّ هنا دول مقاصد الهجرة ككندا وأستراليا). هناك فئات معيارية تمنح الجنسية المحصورة أهمها الرأسماليون والعلماء وكبار المفكرين، بالإضافة للمستحقين قانونًا.

ولتكتمل الصورة في موضوع التجنيس أذكر بما قاله دولة الرئيس نبيه بري عام 1989 عن الرئيس «السيادي» الذي حكم حتى العام 1988.

فيقول الرئيس بري في إحدى مقابلاته: «جواز السفر اللبناني تعرّض للتزوير والبيع. وأكثر شخص باعه هو (ذلك الرئيس)». «باعه بالجملة والمفرق»، » حقيقة كان هناك بيع، وأنا أملك إثباتًا، ويجب تحرك النيابة العامة لهذا الأمر، وحين كنت وزيرًا للعدل طالبت بتحريك هذا الموضوع ولدي إثباتات أنه باع سبعة آلاف أو ثمانية آلاف جواز سفر».

فالسياديون الذين كانوا خارج صفقة 1994 والوزراء والأحزاب الذين كانوا جزءًا منها ونواب تلك المرحلة (باستثناء ثلاثة) لا يمكن أن يعفوا أنفسهم ويتطهروا فجأة.

 يقول السيد المسيح: من منكم بلا خطيئة فليرجمها (مريم المجدلية) بحجر. ما من شخص طاهر على هذه الأرض، كلنا بشر والبشر ليسوا ملائكة ولا قديسين. من يعرف سياسيًّا طاهرًا فليخبرني عنه. لكن أن لا تكون طاهرًا شيء وأن تكون متخصصًا بالصغائر شيء آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد