التأميم حق مشروع لكل الدول

ممارسة الدولة سيادتها على مواردها الاقتصادية هي من أهم الأمور التي اتفق عليها المشرعون للقانون الدولي، والتي تجيز وتسمح للدولة ممارسة إجراءات التأميم، أو نزع الملكية، أو المصادرة بدون أية مسؤولية، وهو ما نصت عليه الجمعية العامة في الأمم المتحدة في الفقرة الرابعة بأنه (يراعى استنادًا التأميم، أو نزع الملكية، أو المصادرة على أسس من المنفعة العامة أو الأمن العام أو المصلحة الوطنية المسلم بأرجحيتها على المصالح الفردية أو الخاصة، الأجنبية أو الوطنية، بالتالي يحق لأي دولة استصدار قانون يمكنها من مصادرة أية أملاك لدى أشخاص ذوي مكانة اعتبارية من مسؤولين ووزراء تَرَكُوا بلدهم لظرف ما بحسب طلب رسمي من الدولة المنتمي لها هذا الشخص دون اعتبار لأي حصانة تحصلها في البلد المقيم فيه.

التأميم قرار سياسي من أنبل ما ذهب إليه أهل السياسة على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم، التأميم أن يكون كل ما في الأرض وعليها للأمة، أن يكون نفط العراق لشعب العراق فقط لا لرجال السياسة وأن يكون غاز قطر لشعب قطر فقط، وأن يكون خير الكويت لشعب الكويت، وأن لا تكون مقدرات الأرض فقط لهذا الشعب، بل للأجيال القادمة التي ستحاسب على إهدار الثروة وعدم توفير أسباب النجاح لها، إن التأميم في مفهومه الأرقى والأجمل أن تكون الثروة عابرة للحدود وللزمن.

التأميم ظاهرة سياسية برزت مع بدايات القرن التاسع عشر مع موجات الاستعمار الحديث وما واكبها من حروب وصراعات، حيث أفرزت هذه الصراعات خلال العقود الأولى من القرن الماضي نمطًا احتكاريًا لمقدرات الشعوب من قبل النفوذ الأجنبي لبعض الدول عن طريق شركاتها الإقطاعية أو المؤسسات المدعومة من قبلها أو سياستها الخارجية حيث فرضت أجندتها بقوة على بعض الدول مثل دول أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا وازدادت هيمنة ونفوذ هذه الدول مع ازدياد أهمية صناعة واكتشافات الثروات المعدنية والنفطية. وفي ذلك الخضم اكتسب التأميم الشرعية الوطنية للحفاظ على ثروات الأمم ومقدراتها داخل حدودها الإقليمية المعترف بها دوليًا.

التأميم حق يكفله القانون الدولي

ولقد أقر القانون الدولي للدول حق التأميم، مشترطًا لممارسة هذا الحق أن يكون متخذًا وفق إجراءات قانونية سليمة، وبشكل عام دون تمييز ضد الأجانب، كما نص على ضرورة أن يكون مصحوبًا بتعويض عادل ومناسب حتى لا يضار منه الأجانب، وهذا ما أكده قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن التأميم «السيادة الدائمة للشعوب والأمم والمحافظة على ثرواتها ومصادرها الطبيعية»، ويدفع المالك في مثل هذه الحالات التعويض الملائم وفقًا للقواعد السارية في الدولة، والتي تتخذ هذه الإجراءات عند ممارستها لسيادتها وفقًا للقانون الدولي كما نصت الفقرة الثامنة على أنه (اتفاقات الاستثمارات الأجنبية المبرمة بحرية من قبل أو بين الدول ذات السيادة يجب مراعاتها بحسن نية وعلى الدول والمنظمات الدولية الاحترام الدقيق لسيادة الدول والشعوب على مواردها وثروتها الطبيعية وفقًا للميثاق والمبادئ التي يتضمنها هذا القرار ).

كما تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة غير العادية الإعلان بشأن إنشاء نظام اقتصادي عالمي جديد وقد تضمن هذا الإعلان من بين العديد من المبادئ التي تبناها المبدأ الآتي (حق كل دولة في السيادة الكاملة على مواردها الطبيعية، وكل الأنظمة الاقتصادية وتتمتع كل دولة بحق استغلال مواردها الطبيعية بالوسائل التي تراها ملائمة لها بما في ذلك حقها في التأميم).

التأميم مرة اخرى لاعادة جدولة الثروة الوطنية

أعتقد أنه حان وقت العودة لنظام التأميم من جديد بعد انتشار ظاهرة الفساد والثراء غير المعقول لدى بعض المواطنين الموظفين الذين استغلوا الوظيفة الحكومية ليصبحوا أثرياء، ومن ملاك الفلل والعمارات والأرصدة البنكية… إلخ.

أعتقد أن هؤلاء من جاء نظام التأميم ليستعيد منهم أموال الشعوب، ولابد من صحوة الضمير العالمي لمحاربة هؤلاء، ودك معاقل الفساد والفاسدين الذين نهبوا البلاد والعباد، فكم من ملايين الدولارات موجودة في حسابات بنكية في الخارج باسم مسئولين وسياسين جمعوها بالباطل دون الحق لابد أن يلتفت المجتمع الدولي لذلك، وتبدأ منظمة الشفافية العالمية ومنظمات مكافحةالفساد… إلخ.

إلى جمع الأدلة والبدء بالتحرك بكشف حسابات كل المسئولين الحاليين والسابقين في دول العالم وإعادة هذه الأموال لشعوبها الفقيرة المطحونة. لابد من استعادة كل هذه الأموال بأي طريقة ممكنة، فالغاية هنا تبرر الوسيلة لإعادة ممتلكات وثروات الشعوب المنهوبة، فالتأميم هنا رحمة وشفقة بالشعوب، وأعتقد أن التأميم أول ما ظهر جاء لحصر أملاك الملوك والأمراء والسلاطين وحاشيتهم، وإعادة هذه الممتلكات للشعب.

ميثاق شرف عالمي لمكافحة الفساد

وأعتقد أنه حان الوقت لإعلان ميثاق الشرف العالمي لمحاربة ومكافحة الفساد في جميع دول العالم وضرورة إنشاء محكمة دولية مختصة بمحاسبة كل إنسان استغل وظيفة عامة لنهب وسرقة ثروات شعبه فكل مسئول استولى على أموال بطريقة أو بأخرى عليه إعادة هذه الأموال لخزينة بلده طوعًا أو كرهًا، ويحدد عمل هذا الميثاق منظمة دولية مستقلة أو تابعة للأمم المتحدة بحيث يسمح لهذا الميثاق العالمي سحب أرصدة كل مسئول كون ثروة من خلال منصبه، وبتعاون كل بنوك العالم وإعادتها للبلد في إقامة مشاريع خدمية لصالح مواطني هذا البلد الذي نهبت ثروته.

ميثاق عالمي يتكون ويؤسس لمحاربة كل الفساد المستشري في كل دول العالم قاطبة وبقوة القانون الدولي يتم استرجاع كل الأموال المهربة في شتى بنوك العالم.

وهذه مجرد فكرة أرجو أن تخرج لتصبح واقعًا ملموسًا ضد الفساد والفاسدين الذين ينهبون ثروات شعوبهم كل يوم.

الشعب مالك كل مقدرات البلاد

التأميم مصطلح راق جدًا جعل من الأمة، باعتبارها المالك الوحيد لمقدرات البلاد من ثروات والمنشأت الحيوية الضخمة وتعد المكسيك اول دولة كان التأميم فيها موجهًا أساسًا ضد النفوذ الأجنبي في البلاد، وليس ضد حقوق الأفراد في التملك، وقد قام الرئيس المكسيكي «لازارو كارديناس» سنة 1938 بطرد الشركات الأجنبية النفطية، وإنشاء شركة وطنية للمحروقات، ورغم الصعوبات الآنية التي عانت منها البلاد جراء توقف الإنتاج ومقاطعة أوروبا وأمريكا لمنتجات المكسيك إلا أن البلاد اليوم تعتبر من أهم مصدري النفط، ومن القوى الإقتصادية الصاعدة، وكذلك حذت البرازيل حذو جارتها الجنوبية ورفعت شعار «النفط نفطنا» في خمسينات القرن الماضي لتحتل الشركة الوطنية البرازيلية خامس أكبر شركة طاقة في العالم، ورغم انفتاح البرازيل مجددًا على الاستثمارات الأجنبية في هذا المجال إلا أن القانون يفرض أن تكون الشركة الوطنية «بيتروبراس» شريكًا لكل مستثمر، وأن تكون هي المالك للحصة الأكبر.

والتأميم اليوم وغدًا يعد أكبر حصانة لمقدرات الأمة والنظام الحاكم ضد ما يثار من بعض الدول الغربية التي ما انفكت بين الفينة والأخرى تتحدث عن طلب تعويضات ضخمة من بعض الدول العربية الغنية، وأنه بمجرد إعلان التأميم تسقط أية مطالبات باطلة من الدول الأخرى التي أصبح شغلها الابتزاز الواضح للعرب والشعب.

منظمة لحقوق الشعوب

الفساد مشكلة محلية في كل الدول وظاهرة عالمية مشتركة بين معظم دول العالم، تتفاوت اشكالها وانواعها من دولة إلى أخرى، لكن تبقى شدته وقسوته أكثر ما يكون على الدول الفقيرة، وذلك عندما يستولى أشخاص بعينهم على كل مقدرات البلد، إنها فاقة الشعوب الفقيرة المتخلفة حينما لا يكون هنالك نظام دولي صارم يحرم الفساد بشتى أنواعه وأشكاله نظام يزج الفاسدين السجن، كم من فاسد نهب وسرق شعبه وفر هاربًا للخارج، كم من زعيم ومسئول استطاع أن يجمع ثروة طائلة بالمليارات ووضعها في بنوك غربية دون أن تحرك هذه الدول المستفيدة (الديمقراطية) ساكنًا ضد هؤلاء الزعماء الذين بين الفينة والأخرى يطلبون المساعدات والمنح لدولهم، وهم لديهم أرصدة تفوق ما تتحصله هذه الدول المسئولين عنها. يجب أن ينظر العالم المتحضر للشعوب الفقيرة وقص أيدى المسئولين الفاسدين ومنعهم من نهب ثروات شعوبهم، فقد تحدث العالم كثيرًا منذ منتصف الثمانينات عن ثروة الرئيس الفلبينى فرديناند ماركوس المقدرة بـ10 مليارات دولار، وتم تجميدها واعادتها للشعب الفلبينى، وثروة سوهارتو المقدرة بـ40 مليار دولار وتم إعادة معظمها و…. إلخ.

وأعتقد بالضرورة أن ينظر العالم المتحضر الذي يسعى باستمرار لمحاربة المهاجرين والمغتربين ما هي أسباب الهجرة والاغتراب، ولماذا يفضّل الملايين مغادرة بلدانهم للبحث عن حياة معيشية افضل من بلدانهم التي يسوء فيها الحال.

هذا العالم الذي أصبح يكيل بمكاييل عدة دول وشعوب حليفة يسمح لها باسترداد أموالها ودوّل يمنع حتى السؤال عن حجم أموالها المنهوبة.

لذا أصبح من حق الشعوب طلب الحماية الدولية وبضرورة إنشاء منظمة دولية على غرار منظمة حقوق الإنسان منظمة دولية جديدة تحت مسمى منظمة حقوق الشعوب مهمتها ملاحقة ثروات كبار المسئولين وصغارهم فى دول العالم الثالث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد