بوجوه تشابهت كثيرًا مع وجوه أعضاء لجنة سياسيات جمال مبارك، واتفقت تمامًا مع نواياهم، وعلى خطى الحزب الوطني المنحل، برز حزب «مستقبل وطن» ليكون ظهيرًا سياسيًا للرئيس عبد الفتاح السيسي، ورافد لقراراته – التي قتلت الحياة السياسية في مصر – وحاشدا لمؤتمراته، بخلاف ظهيره العسكري «شديد الولاء» حتى الآن. سارع الحزب للمشاركة في الانتخابات البرلمانية، وعمد إلى تقديم «الرشى» الانتخابية للمواطنين، وقدم باسم أعضائه خدمات شعبية موظفا خلالها المال السياسي، تحت غطاء رسمي من الدولة، ليقترب من السيطرة على مجلس النواب بأسماء حددت سلفًا قبل نية القوم في بدء خوض المعركة، ويسير في طريق آخره ثورة، كتلك التي أحيتنا لوقت يسير.

على نهج السابقين من رموز النظام البائد، يخرج علينا أعضاء الحزب بين الحين والآخر، عبر وسائل الإعلام، ليدافعوا عن وجهة نظر الحاكم وقراراته، وكأنهم جهة محايدة، تعدد جهود الدولة التي لا يراها أحد، ويطلق رموزه الوعود في بعض الأوقات بالمساعدة في تخفيف الأعباء عن المواطنين، كما حدث خلال إعلانهم تحملهم قيمة التصالح لآلاف الوحدات السكنية، بعد الغضبة الشعبية ضد القانون «الجائر».

الحزب في آلياته لا يختلف كثيرًا عن الحزب الوطني المنحل، الذي قامت عليه ثورة يناير (كانون الثاني)، كما أن أعضائه لم تختلف أهدافهم عن أهداف أسلافهم الذين وصفهم القضاء بالفاسدين، المشهد مماثل إلى حد كبير مع مشاهد ما قبل 2011، باختلاف كثير من الخبرات التي تمتع بها الحزب الوطني، والتي نجحت في إبقاء الرئيس الراحل مبارك 30 عامًا في الحكم. الإستراتيجية واحدة، والآليات متشابهة والأقنعة مختلفة.

جهود الأحزاب «الكارتونية» وعلى رأسها حزب مستقبل وطن، بقائمته «الوطنية»، لم تنجح في مهمة الخروج بمشهد انتخابي مشرف، حيث فضحتهم وسائل التواصل الاجتماعي، وكشف الأتباع من الغاضبين آليات الحزب في استخدام المال السياسي لإغراء البسطاء، وبدأ النائب العام التحقيق في عديد من البلاغات في ذات الشأن.

المصريون عزفوا منذ يومهم الأول عن التصويت لاختيار المرشحين، وذلك لقناعة الغالبية العظمى من الشعب، بأن مشاركتهم ليس لها قيمة ولن تؤثر في مجريات الأحداث، فهم على يقين أن لا أحد من النواب سيطالب بتخفيض أسعار الكهرباء والغاز، والمنتجات الغذائية، أو إعادة رغيف الخبز إلى سابق عهده، كما لن يجرؤ نائب من النواب على التحدث عن ظروف المعتقلين السياسيين، أو أن يطالب بالإفراج عنهم، أو حتى حسن معاملتهم.

مؤخرًا تصدرت مشاهد توزيع المواد الغذائية على المواطنين، وتعالت أصوات المخدوعين من البسطاء ممن رفض «مقاول الأنفار» إعطائهم «الكوبون» الذي من خلاله سيتم صرف المساعدات الغذائية التي وعدوا بها في مقابل التصويت لمرشح بعينه. محاولات إغرائهم بـ«كرتونة» تحتوي زيت وسكر وأشياء تسد جوع الأسرة ليومين على الأكثر نجحت، ولم ينجح الناخب المستأجر في الحصول على ما وعد به، فخرج أمام الكاميرات ليسب ويلعن هؤلاء الذين خدعوه باسم الانتخابات.

لا ألوم على هؤلاء الذين لم يجدوا قوت يومهم، فحجتهم قد تكون مقنعة لدى البعض، لا سيما أن كثيرًا منهم يتحين الفرصة ليسد رمق أبنائه، ولكن الأزمة في هؤلاء السياسيون الذين سحقوا أمال المصريين، في مشهد انتخابي واستباحوا من خلاله كل محرم. شراء الأصوات أصبح علنًا، وثمنه 100 جنيه – قد لا يستلمها البعض بعد أن يضع العلامة على المرشح المطلوب – ولما لا فلن يستطيع أن يسحب تصويته مرة أخرى، «انتهى العرس».

حزب مستقبل وطن، الذي اقترب من السيطرة على البرلمان وفي طريقه لتحقيق فوز كاسح، فشل بالرغم من كل الدعم الذي تلقاه، في الخروج بمشهد مشرف للمسرحية الهزلية المسماة بالانتخابات، وللعلم ذلك ليس مصطلح أطلقه المعارضون، بل مصطلح نشره أتباع النظام قبل أعدائه واصفين الانتخابات بالمسرحية الهزلية والعبث، مؤكدين أن البعض ممن سينجحون دفعوا ملايين ليفوزوا بالكرسي، الذي سيحمي مستقبلهم ومستقبل أبنائهم لسنوات، الجميع يعلم أن القائمة كتب لها النجاح قبل دخول الانتخابات، وقبل المشاركة، وذلك يثبت أن اختيار النواب معد سلفا من قبل أجهزة بعينها، وما مراسم التصويت إلا شكل يتم تصديره لتجميل المشهد محليًا ودوليًا.

المشهد يعيد مصر والمصريين إلى ممارسات الحزب الوطني ورجالاته، وسطوة ابن الرئيس وأتباعه، ممن ثار عليهم الشعب وأسقطهم، هم وجبابرة ظُن في يوم أنهم مخلدون، أسقط نظام بأكمله برئيسه وقياداته، فعلى هؤلاء، أعضاء وأتباع حزب مستقبل وطن ومشغليهم، أن ينتبهوا جيدًا؛ لأن نهايات دروبهم لن تأتي بخير، والشعب يصبر، ولكن ليس طويلًا، وما الحزب الوطني عنا ببعيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد