في يومين فقط خرجت أمم وقوى دولية كبرى تتنادى إلى المنطقة، فروسيا تتوعد المنطقة وتأمر بتكثيف استخباراتها، وفرنسا تتوعد بمضاعفة قواتها وهجماتها على سوريا ـ وليس تنظيم الدولة ـ ثلاث مرات، والأمريكيون يقررون إرسال قوات خاصة إلى سوريا مع قواتهم الجوية، كل هذا تمهيدا لما هو أكبر وأخطر!

الجميع يحددون أن الخطر نابع من الإسلام، وتفريقهم بين الإرهاب والإسلام تفريق ضعيف، والمسافة التي جعلوها بينهما مسافة بسيطة قابلة للإلغاء في أية لحظة، لا توجد قوة واضحة للمسلمين يخشاها الغرب، عدا ثورات الشعوب ورغبتها في امتلاكها حريتها وقرارها، وعدا الفصائل التي ثبت أنها قد تصنع فارقا للأمة.

لا أقصد تنظيم الدولة؛ إذ كونه أداة في أيديهم أقرب من أن يكون عاملا للأمة، بل هو بمثابة المفسد للجهاد أينما حل، فهو خنجر يطعن الطالبان في الشرق، والمجاهدين في سوريا والعراق، ويطعن حماس في فلسطين، وفجر ليبيا هناك.. فأينما وجدت قوة مجاهدة كان في ظهرها يكفّرها ويطعنها ويمنعها أن تواجه عدوها، بل ثمة اتهام لها بالتفاهم مع العدو أينما وجدت.

لقد نضج الناس عن أن ينخدعوا أو يرحبوا بعمليات عنيفة لمدنيين أو قطع الرقاب لصحفي أو جندي، بل يريد الناس كف يد الكفار والمستعمرين والعلمانيين والمستبدين واللصوص عن الأمة، يريد الناس التحرر من القوى الخارجية والاستبداد العلماني الداخلي، الذي هو مخلب قط للقوى الخارجية.

لم يعد المسلمون ينخدعون بعنف يأتي عقبه احتلال أفغانستان والعراق، وإهداء العراق للصفويين المتفقين مع الغرب، وتفتيت ما بقي، واستقرار الرافضة، بل استعداء السنة،  لم تعد الأمة تنخدع بعنف يأتي بعده احتلال وتقسيم وتفتيت وانهيار.

إن الناس تبحث عن ثورة صادقة تغير الحال، وتمتلك الأمة بها القرار، وقوى مقاومة تساند الثورات، ولا تخرجها عن شعبيتها، وتكف يد الطغيان، الأمة لن تساند قوة أو ثورة، إلا إذا جاءت تبني دولة وهوية وقوة وتحرر، لكن تظل تسأل لماذا تتنادى الأمم علينا ونحن في هذا الحال؟

وليس هناك مبرر، إلا أنها تريد أن تقطع الطريق أمام الأمة، وفصائلها المساندة لتمتلك قرارها وتتحرر من التبعية؛ فتفسد على الغرب قرنين من الاستعمار والجهد والأموال والتخطيط، ومن هزيمة المسلمين أمامهم.

الآن جميع القوى تتنادى أمام ثورة شعوب وفصائل مقاومة، روسيا ومن ورائها الصين وشرق آسيا، الرافضة بفصائلها وأذرعها، أوروبا بشرقها وغربها، وأمريكا ومعها حلف الأطلنطي، بينما الملايين في ثبات عميق، وهم ينتظرون الذبح!

لم يفكر الأوروبيون ـ خاصة الفرنسيون ـ ولا الأمريكيون في أنهم يفرضون أوضاع استبداد وقهر وتخلف وظلم يعاني منها الملايين، فيأتيهم هذا العنف الذي يصطرخون منه.

وبالتالي لم ير الغرب أن العدل مريح، وأن ترك الأمم والشعوب لخياراتها هو الصارف عن العنف الذي يعانونه، لم يفكروا في هذا إما كِبرا، وإما حقدا تاريخيا، وإما لأن هذه الأعمال خادمة لهم ولمخططات شركاتهم متعددة الجنسيات، والأفكار المسيحية الصهيوينة.

يجب الانتباه والدعاء والتفكير وشحذ الأمة، والحذر الشديد؛ إنهم اليوم يعوضون فرصة قديمة؛ فقديما بكت أوروبا ـ وإلى اليوم ـ في أدبياتهم (الرحلة إلى طشقند) وهي رحلة قام بها أوروبيون صليبيون إلى المجرم (تيمور لانك) قاصدين التنسيق معه؛ ليجتاح الأمة من الشرق، ويجتاحها الصليبيون من الغرب في وقت واحد متزامن، ولكن حال مرضه (حتى هلك) دون مقابلتهم.

ولم ينجح التنسيق فافترق الزمن حوالي خمسة عشر عاما استدركت فيها الأمة، خاصة القوة العثمانية إبان كونها سلطنة، وليست خلافة، أخرت الأمة عن النهضة، لكن لم تعرضها للإبادة، وجاءت قوة المماليك والأيوبيين فقضت على الصليبيين، فأدركوا أن القوة كامنة في (الإسلام) الذي تقوم به أمم شتى، فأجمعوا على القضاء عليه داخليا، والتنصل منه بالقومية والوطنية والعلمانية، فأصبحت مساندة غزة جريمة، ومواجهة إسرائيل خطا أحمر! وأصبح الولاء الإسلامي خيانة للوطن! وتحكيم الشريعة فزعا! وبناء الأمة تآمرا! وكفى الناسُ عدوهم مواجهة الدين فحاربوه بأيديهم وقتلوا أهله وخانوا الأمانة.

لكن لأنه دين الله، فلن يرتهن بأحد؛ فكلما تولى قوم استبدل الله تعالى بهم غيرهم ممن هو خير منهم، إن الأمر جلل، ولم يمر على الأمة تناديا مثل هذا قبل اليوم، من الشيوعيين إلى الوثنييين إلى الرافضة إلى الصليبيين، ونحن في حال عجب، عجبت منه الأمم وسخر منه الزمان.

 

سادات كل أناس من نفوسهم *** وسادة المسلمين الأعبد القــــزم

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم *** يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

فاللهم سلم، وهييء لنا من أمرنا رَشَدا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأمة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد