أظهر إعصار إيرما[1] وقبله هارفي، مدى هشاشة فكرة القوة الدولية ونسبيتها، فمهما وصلت الدولة من تطور تبقى محدودة الوسائل، ويبقى إظهار الترسانة الحربية والتطور العلمي المعلوماتي مرصودا فقط في مواجهة الدول الأخرى، وفي الحدود التي تبقيهم خائفين وخاضعين لها. فسيثور التساؤل حول ما يمكن أن تفعله الدولة القوية في مواجهة الكوارث الطبيعية؟ أهناك سبيل لتتمكن دولة ما من تفادي هذا الإشكال؟

الإجابة رغم ضبابيتها «لفئة معينة» فستكون نعم، بإمكان المجتمعات البشرية تفادي الكوارث الطبيعية، فهذه الأحداث لا تكون عبثا وبدون سبب، حتى ما إذا عدنا للقصص التاريخية – الدينية بالخصوص – فكثيرا ما نجد أن القبائل أو القرى قد أبيدت بشكل من الأشكال بسبب عمل اشترك معظمهم على فعله، أو كان قائدهم ذا تجبر وإفساد، حتى أننا نجد أن فعل فرد واحد قد يجر الغضب على الكل.

هنا سيقتصر الحديث مع من يؤمن بوجود الله الذي يدبر أمور عباده، وبعدها ننتقل لإعطاء لمحة عن السبب الذي قد يكون وراء غضب الله وهو ما أصبح يطلق عليه عبثا – غضب الطبيعة -.

أما الحالات الثلاث السابق ذكرها، ففي الحالة الأولى أي أن يهلك الله قرية بأكملها لتواطئها على العمل الخبيث، فلنا في قصة قوم لوط الشائعة المثال الكبير. وهي القصة التي نجدها في الديانات الإبراهيمية ثلاثتها؛ في الإسلام بالقرآن واليهودية بالثوراة والمسيحية بالعهد القديم[2]. وهي باختصار أن قوما شاعت فيهم ظاهرة الشذوذ «إتيان الذكر غير الأنثى» وعم فسادهم حتى طال ضيوف نبي الله لوطا من الملائكة، فأمر الله جبريل أن يقتلع بلدتهم فخسف بهم الأرض، وجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، وأنجى الله لوطاً وأهله إلاَّ امرأته كانت من الغابرين الهالكين. ويمكن أن نستدرج هنا أيضا قصة غرق قوم نوح عليه السلام.

بالمثال الثاني أي أن يهلك الله جماعة لفساد وتجبر قائدهم، فلنا في فرعون موسى العبرة الكبيرة. فنجد أن الله اختص عذابه وسخطه على فرعون ومن معه من جنده الذين اضطهدوا موسى وبني إسرائيل، فكما جاء في صورة القصص الآية 4 أن فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وكذلك نجده في التوراة وسفر الخروج وقد شمل العقاب الإلهي كلا من فرعون وأله وذلك كما جاء بالقرآن بسورة غافر الآيات 45 وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ.

أما الحالة الثالثة والأخيرة فهي عندما يكون السخط من فعل رجل واحد، فينعكس عمله على قومه جميعهم. وهنا نذكر قصة موسى عليه السلام وبني إسرائيل حينما منع عنهم المطر واشتد عنهم الحر والجفاف، فخرجوا مع موسى يطلبون رحمة الله، فما زادهم إلا حرا، فاتجه موسى إلى الله متضرعا فكان جوابه أنه يوجد فرد من بني إسرائيل يعصي الله أربعين سنة. فنادى فيهم موسى بذلك وأمره بالخروج منهم، فلم يستطع الرجل الخروج خوفا من افتضاح أمره فتاب إلى الله وسأله الستر، فجاء فرج الله جوابا على تضرع بنو إسرائيل وجوابا لقبول التوبة. ونستطيع أن نتخذ من هذه القصة أن هلاك قوم يمكن أن يكون بسبب عمل فرد واحد كما جاء بالقصة[3].

قبل البدء يجب أن نتجنب مقولة أن مناطق عبور الإعصار هي بطبيعتها بؤر تقلبات هوائية، فجميع مناطق العالم تعرف جوا نمطيا خاصا بها، وذلك بحسب موقعها من خط الاستواء وارتفاعها أو انخفاضها من سطح البحر، وموقعها من الساحل والجبال… ، فكل هذه المعطيات تؤثر بالمناخ لكن ليس بالشكل الذي لا يجعله مكانا مهيئا لتعيش به المخلوقات. فحتى بالقطب الشمالي توجد قبائل الإيسكيمو[4] التي تكيفت مع المناخ البارد، وكما جاء بالحديث الشريف الذي اشترك في روايته كل من الترمذي وأحمد والبخاري وصححه الألباني؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به. وبرواية أخرى أن رسول الله قال لا تسبوا الريح فإنها من روح الله تأتي بالرحمة والعذاب[5].

في سبيل ربط السبب بالمسبب وأيمانا منا بأن التدبير في الشؤون كلها هو إلاهي، فسنستدرج المواقع التي ضربها إعصار إيرما وربطها بأحداث قد تكون سببا في غضب إلاهي.

من خلال موقع متخصص في الأحوال الجوية[6] أنه قد شق الإعصار طريقه عبر مجموعة من الجزر والمدن والسواحل؛ كجزر الكاريبي وجزر سان مارتان وباربودا وجزيرة نيكر وميامي وغيرها، والتي تتفرق بين جزر أمريكية وبريطانية وفرنسية وسواحل كوبية ومكسيكية وأمريكية أيضا.

انطلاقا من الدول السابق ذكرها وارتباطا بالأمثلة أعلاه؛ فكون أن الكارثة حلت نتيجة تجبر في رأس السلطة، فهو احتمال ممكن مستقبلا لكنه غير متحقق حاليا، لأن الإعصار ضرب العامة ولم يمس الرئيس والجنود، كما وقع لفرعون وجنوده. والاحتمال الآخر أن يكون سبب الغضب معاندة الله بالمعصية من فرد واحد فوارد لأن المظاهر توحي بالفساد العام والرأي يشير إلى الفضيلة، لكن يصعب إسقاط هذا الاحتمال لأنه لم يتم تحديده حتى في عهد موسى عليه السلام.

يبقى أمامنا احتمال أن يتواطأ الناس على عمل لا يرضاه الله كما فعل قوم لوط، فنجد أن المشترك بين المواقع التي تضررت من الإعصار هو موقعها الساحلي[7]، وأن الفترة هي فترة سياحة واصطياف، وذلك مع ما تشهده هذه المناطق من مظاهر المنافية للأخلاق الدينية والمحافظة بكل أنواعها؛ من إعلانات فندقية للمثليات والمثليين «الشواذ».

[8] ونواد ليلية وكازينوهات مخصصة أيضا للشواذ[9]، وغيرها في إطار الليبرالية وانفتاح السوق. لكن كل هذه النشاطات ليست بالشيء الجديد، فما يثير الانتباه هو ظاهرة شواطئ العري التي تزداد إقبالا عاما بعد عام، وهي عبارة عن أماكن خاصة من البحر يتم تخصيصها للمصطافين الذين يتجردون من ملابسهم ولو حتى ما يستر عوراتهم، والتي تسجل فلوريدا أكبر تسويق لهذا النوع من «الاصطياف»[10]. حيث يتم إدراج سفرات ورحلات انطلاقا من بلدان مختلفة إلى هذه الشواطئ خصيصا لأناس يريدون الاجتماع بآخرين يشاركونهم نفس الهوس. وقد يتم ترجيح هذا الاحتمال كسبب لغضب إلهي في شكل إعصار إرما، كون الظرفية هي عطلة صيفية مع ما تشهده من ارتفاع في الإقبال السياحي.

وتبقى هذه الظواهر هي بوادر لشيء أعظم، خصوصا في الفترة الأخيرة. فلم يعد هناك هدف سام من الحياة وأصبحت اللغة البارزة في كل المجتمعات هي السخط وعدم الرضا عن الواقع الاجتماعي، ولو كانوا من أصحاب النعم. وحتى لا نسقط في ذاتية الكاتب فسيتم ترجيح الفرضية السابقة؛ أي غضب إلهي على فعل جماعي، وإن لم يكن كذلك فتداعيات الاحتباس الحراري مصداقا لقوله تعالى بالآية 41 من سورة الروم: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد