علمتنا التجارب أنه ينبغي دائمًا أن يتفق العقل والقلب على الهدف، فلا يمكن الوصول إلى مقصد لا يؤمن به القلب أو لا يقتنع به العقل، وعلى مستوى الشعوب؛ فإن التوافق الداخلي والاصطفاف والتوحد شرط محوري للفلاح ولتحقيق النصر ضد أي تعد.

ولا يحتاج المرء للكثير من التدقيق ليفهم أن حالتنا الفلسطينية الحالية المنقسمة واللا متفاهمة أضعف من التحديات والاستحقاقات الكبيرة التي نقف في مواجهتها، وأن طرفا السيطرة في ساحتي الحكم والسياسة مذنبين وسببين رئيسيين في هذا الضعف الحاد والفشل العريض، فيكفي لإدانة فتح أنها ارتكبت خطيئة الاعتراف بالكيان الإسرائيلي على أراضينا ووافقت على إقامة سلطة بلا سلطة تحت حكم الاحتلال، ويكاد دورها ينحصر في التنسيق الأمني المهين مع العدو، وانغمست في امتيازاتها المتدنية لدرجة التنازع عليها مما أحدث في خيمة المقام الفلسطيني تمزقًا وفسادًا كبيرًا. في حين يتصدر ورقة إدانة حماس اشتراكها في الاقتتال على السلطة وارتهانها لغزة ومواطنيها في مجال عسكري خطير وغير مدروس، ويُدان الطرفان في تجاهلهما التام للمعاناة التي نُقاسيها جراء تعاملات كل منهما ضد الآخر وجراء سلوكياتهما المنفلتة في التصرف مع الاحتلال، ناهيك عن إدخالهما لنا في انقسام كريه وشديد الأثر والصعوبة على حياتنا، ويعود على الاحتلال بمكاسب عظيمة تخدم استمراره وتضع مشروعنا للتحرر واستعادة الحقوق في مدار بعيد جدا عن أهدافه المرجوة.

كنا نأمل أن يسترجع الطرفان المبادئ التي قاما عليها، وأن يتداركا أزمة الانقسام المدمرة، ترفعًا عن المصالح الضيقة الخاصة لأجل خدمة الصالح العام، لكن كل محاولات الاتفاق والتصالح خرجت بخيبات كبيرة، تخللتها تفاهمات صغيرة، لم تغنِ عن وفاق، ولم تكن إلا مناورات والتفافات هربًا من ضغوط التغييرات الإقليمية المحيطة. ولا يدل ذلك على شيء أكثر مما يدل على عدم كفاءة الطرفين للمسؤولية واستحالة النهوض بالحال والأداء الفلسطيني تحت هذه الظروف.

أمام هذا الموقف، يمكن لتحرك شعبي ناعم يسري لاعتباره مرحلة انتقالية يتم فيها الضغط على الطرفين لتنظيم سلسلة انتخابات متدرجة ومتوالية، يكون فيها للانفتاح الإعلامي ووسائله العصرية دورًا قويًا في كسر أدلجة المعرفة وكشف أنصاف الحقائق المخفية عن إدراك ووعي الناخبين، وهو ما سيساهم في إضعاف قبضة القوتين المعطلتين للمسيرة، وإعادة الاعتبار لرأي الشعب وفاعلية حضوره.

هذا المسار للمرحلة الانتقالية كان يحتمل له أن يبدأ بالانتخابات المحلية كفرصة للتدرج في التأسيس لثقافة العمل المجتمعي الديموقراطي والانطلاق منها لبناء مظلة تحمي كيان الشعب وقراره وأحقيته في اختيار ممثليه، وتهيئة بيئة قادرة على حمل تطلعاتنا وعلى تجسيدها، ذلك لو توفرت ضمانات لقبول النتائج وعدم تعطيل عجلاتها، لكن المجريات والتجارب السابقة لا تكفل ذلك، ومن ناحية أخرى لم يتوقف الأثر السلبي للطرفين عند حد الخلافات والنزاعات وتهديد الاستقرار وإيقاف الفعاليات الديموقراطية، بل أن تدخلهما الشمولي ونزعة التفرد عندهما قد أفسدت وأعاقت قدرة المجتمع على الاستشفاء الذاتي وبات عاجزًا عن إفراز حلول وكيانات جديدة وكفاءات فاعلة وقادرة على قيادته نحو بر الأمان.

لهذا سيكون لسؤال الانتخابات إجابات وخيارات مجربة وفاشلة: فإما أن نعود لتفويض فتح المرفوضة في الانتخابات السابقة والتي لم تمارس أي تغيير يدل على أنها قد استخلصت الدرس وأصلحت فساد حالها وحال منهجها، أو أن نمدد لحماس حكمها بالغ السوء. ويزداد السؤال تعقيدًا بالنوايا غير الصادقة والعدائية التي يضمرها ويحاول تحقيقها كل طرف متخذًا من العملية الانتخابية مجرد وسيلة لكسر وهزيمة الآخر دون أي اعتبار للمسؤوليات المترتبة والمطلوبة لحاجات الناخبين ومصالحهم، وهي نوايا لا تخفيها الحملات الدعائية والشعارات الرائجة فيها، وتستهدف حرف سياق المجرى الخاص للانتخابات وتهويل نتائجها وتعميمها كتأييد ومبايعة لمنهج الطرف الفائز.

مساوئ تلك النوايا والأهداف لا تقتصر على كونها تجسد أطماعًا حزبية ضيقة في السلطة والجاه، بل أنها تهز أعمدة أساسية في أدوات تحرير وإعمار البيت الفلسطيني، فهي كارثة كبيرة على سبيل المثال أن تكون المقاومة هي موضوع التصويت في انتخابات تأتي بوصفها ضرورة تنظيمية تخص القطاعات الخدماتية!

وبما أن كلا الطرفين على هذا المسلك السيء الذي لا يؤهلهما لشرف الفوز بثقة المجموع الفلسطيني؛ فإن إفراز الانتخابات لأي منهما سيمثل خضوعًا شعبيًا خطيرًا لأحزاب مُخرِبة واستمرارًا لحالة التيه المركبة التي نعيشها، ويكون للانتخابات ونتائجها حينئذٍ ضرر أكبر من ضرر عدمها، وبالتالي علينا أن لا نُبدي أسفًا لو تم إلغاؤها.

الأسف لن يكون حاضرًا أيضًا على الانحصار والسقوط المحتمل لرأسي الأزمة الداخلية، حيث لا يملكان بفسادهما واستبدادهما وعجزهما – سوى إحداث المشاكل – أي فرصة لاجتياز شروط البقاء والارتقاء.

ولأن كل شيء قابل للتغيير إلا قانون التغيير؛ فعليهما إذًا وبعد أن رفضا الانتخاب الديموقراطي أن يواجها «الانتخاب الطبيعي»؛ سُنة الخالق للتغيير الحتمي في هذا الكون المتجدد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الانقسام
عرض التعليقات
تحميل المزيد