من وجهة نظر داروينية، فإنّه يظفر بالانتخاب الطبيعي الكائنات القادرة على التغلب على عوامل الضغط البيئية الانتقائية، فالكائنات التي تبدي تكيفها مع تلك الأخيرة وتغير من سلوكها تتغلب على هذه العوامل، وبهذا تنجو من سطوتها وتحافظ على جنسها ووجودها.

يعتبر الآن كورونا المستجد عامل ضغط انتقائي ضد الجنس البشري، وبالتالي من المفترض أن يربح الانتخاب الطبيعي أولئك الأصلح للبقاء. لكن ماذا عن الفروقات الاقتصادية والعلمية والثقافية في المجتمعات؟ ألا تساهم في جعل الأفراد أصلح للبقاء والفوز بالانتخاب الطبيعي؟

ألمانيا التي تعتبر روح أوروبا الصناعية، بدأت بتوزيع معدات الحماية على كوادرها الطبية، أغلقت البلاد لقطع الطريق أمام مسار الفيروس وعوضت المتضررين جرّاء عمليات الإغلاق، نشرت أجهزة التنفس الصناعي في عموم البلاد، أعلنت التعبئة العامة في القطاع الصحي. وخلال فترة شهر من الزمن استطاعت أن تضع العصي في عجلات الفايروس. الآن ألمانيا على وشك أن تربح حربها الوجودية مع الفيروس بأقل الخسائر.

البرازيل رفضت الإيمان بالكائن الخفي، فلم ترضخ لقوانينه لأنها أنكرته، لم تخطُ خطوات من سبقها، كل شيء بقي كما هو، الحياة في الشوارع، صالات الرياضة، المطاعم، وغيرها من مرافق الحياة، الآن تعتبر البرازيل دولة موبوءة، استقال وزيرا صحة في الدولة لرفضهم القطعي السياسة التي يتم التعامل بها في مواجهة الفيروس المستجد.

الولايات المتحدة، أحد أقطاب العالم، في بداية الجائحة، بدأ رئيسها بالتشدق بأنَّ لو تُركَ الأمر للأطباء لاقترحوا إغلاق الحياة، في حين لا داعي لفعل ذلك كون الفيروس غير خطير والحفاظ على الاقتصاد هو الأجدى نفعًا.

الآن تحتل أمريكا صدارة الدول الموبوءة بأكثر من مليوني إصابة، البرازيل سجلت في يوم واحد أكثر من ألف حالة وفاة، بينما ألمانيا رفعت معظم القيود المفروضة على الحياة العامة في إطار محاربة فيروس كورونا، حيث شفي عندها معظم المرضى ولم يتبق سوى ما يقارب 7 آلاف حالة نشطة، يتم التعامل معهم بحرفية ألمانية كبيرة. وهنا يتجلى معنى الإيمان بالوباء أو الكفر به.

اليمن هي واحدة من الدول التي رفضت الإيمان بالوباء، فلربما يعتقد الحوثيون أنّ حلول الوباء هو بمثابة عار على شرف الحكومة التي يمثلونها، وها قد أصبح معدل الوفيات بسبب كورونا في اليمن هو الأعلى عالميًا، حيث بلغ 20 بالمئة من إجمالي الإصابات، فتارةً تصرح السلطات الحوثية أنّ المصابين يعانون من حمى الضنك، وتارةً يقولون إنها إنفلونزا الخنازير وليست كورونا، ولا شيء سوى المزيد من حالات الوفاة، المزيد من النكبات على بلد أرهقته الحرب وها هو الآن سيرهقه الوباء .

وهنا أيضًا يتجلى معنى الإيمان بالوباء أو الكفر به، فنيوزلندا التي أغلقت الوباء بعد الإصابة السابعة عشر، احتفلت قبل أيام بتطهير بلادها من الفيروس، حيث خرجت جاسندا رئيسة وزراء الدولة مبتسمة لتعلن انتصار بلدها ضد العدو الخفي. الفرق بين نيوزلندا وبقية الدول التي تعاني من الوباء، هي أنها آمنت بوجود كائن خفي، يزهق الأرواح ولا سبيل لمقارعته إلى بإغلاق البلاد.

أخيرًا، الانتخاب الطبيعي بات مربوطًا بالتقدم العلمي والازدهار الاقتصادي لكي يؤتي ثماره، على الأمة أن تؤمن أولًا بالوباء لتتعامل معه، وأن تستند إلى جدار اقتصادي متين يمكّنها من بذل الغالي والنفيس في سبيل الحفاظ على صحة أفرادها، وأن تكون على قدر من التقدم العلمي الكافي للحفاظ على وجودها والظفر بالانتخاب الطبيعي بشكله الجديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد