الموسيقى نعمةٌ تُسقِطُ تأثيرها على من يتلذذها استماعًا أو تأليفًا أو عزفًا. مفعولُها حاصِلٌ، نافذٌ لا يمكن إبطالهُ إلا إذا انتكست الفطرة، وتشوَّهت الروح، وتخلف العقل. فللموسيقى من التأثير في النفس ما لا تقدر عليه سائر الفنون، فهي الأقدر على إحداثِ تغييرات نفسية وأخلاقية واجتماعية، وأكثر ما يميز الموسيقى عن سائر الفنون الأخرى، هو استقلاليتها؛ فهي ليست بالتشكيلية ولا بالتصويرية، بل هي فنٌ لا يصوِّر شيئًا ولا يقلِّدُ شيئًا.

كان يُنسبُ إلى الموسيقى في الأساطير القديمة قوى خارقة تؤثر في الطبيعة، وكانت محتكرة في العهود القديمة على السحرة الذين كانوا يوظفونها في أغراضٍ سحرية، كما كان يُستعان بها – عقائديًّا – في بث الإيمان في نفوسِ الآخرين، والمساعدة في أداء الطقوس والعبادات الدينية، حتى قال عنها المصلح والقسيس مارتن لوثر (Martin Luther) «إنني أضع بعد الإلهيات مباشرة الموسيقى، وأمنحها الشرف الثاني». لأجل هذا التأثير الذي تتمتع به الموسيقى، تجد بعض رجال الدين يحرمونها، أو ينسبونها –على أقل تقدير – إلى الحلال البغيض.

وفلسفيًّا، حظيت الموسيقى بمقامٍ سامٍ ورتبة عالية عند بعض المفكرين، فقد دعا أفلاطون في جمهوريته إلى تعليم الموسيقى، فهي قادرة على تربية النشء بشكلٍ سويٍّ. مفكرون وفلاسفة آخرون جعلوها عنصرًا جوهريًّا لفهمِ طبيعة الكون؛ فالفيثاغوريون، على سبيل المثال لا الحصر، قدموا تفسيرًا مجازيًّا يرى أن الكون عبارة عن عدد ونغم، إذ إن العدد يمثل الوجه الكمي للكون، والنغم يمثل الوجه الكيفي.

وآرتور شوبنهاور، الفيلسوف الألماني الشهير، الذي كان يرى أن الكون برمته ما هو إلا مظهرٌ من مظاهر الإرادة، ولولا الموسيقى، لما استطاع أن يهتدي إلى تلك الإرادة!

فالطبيعة تفوَّقت على الإنسان في كل شيء إلا في الموسيقى، فالإنسان قد أبدع صُنع الموسيقى بما لا تجدهُ في الطبيعة، لذلك قلنا آنفًا إن أكثر ما يميز الموسيقى هو استقلاليتها؛ فقد طور الإنسان وظيفة الموسيقى من كونها خالصةً لخدمة أغراضهِ الخاصة، إلى كونها وظيفة تخدم البشر عامةً، وتنصب في مصلحتهم، أيًّا كانت.

والموسيقى، في القديم والحديث، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالطب، فقد أثبتت فاعليتها وتأثيرها في الحالة النفسية والبدنية للإنسان؛ ففي بحثٍ أجري في جامعة جرونينجن (University of Groningen) في هولندا، توصل البحث إلى فاعلية الموسيقى في التأثير في كل من مزاجنا ونظرتنا إلى العالم (الوعي). فلو استمعت إلى موسيقى مبهجة وسعيدة، فإن مزاجك سينقلب سعيدًا، وبالتالي تتغير نظرتك إلى الحياة لتصبح أكثر تفاؤلًا. كما كشف البحث عن التأثير الدراماتيكي للموسيقى في نظرتنا إلى الحياة وفي وعينا، فلو افترضنا أن وجوه الناس أمامنا لا تظهر عليها لا سعادة ولا حزن، فإن الذين يستمعون إلى موسيقى مبهجة، سيرون أمامهم وجوهًا سعيدة، على عكس الذين يستمعون إلى موسيقى حزينة، فإنهم سيرون وجوهًا عابسة قمطريرًا، رغم أن وجوه الناس – في الحالتين – لا يظهر عليها أصلًا سعادة أو حزن.

هذا ما قام به كل من جوليج (Jolij) ومورز (Meurs) في تجربتهما، إذ طلبا من المشاركين في التجربة التعرُّف إلى الوجوه الضاحكة والحزينة عند الاستماع الى موسيقى سعيدة وحزينة. وبالفعل، جرى التعرف على الوجوه الضاحكة عند الاستماع إلى موسيقى سعيدة، والعكس صحيح. حتى في الحالات التي لم تكن الوجوه تُظهر فيها أية تعبيرات بالسعادة أو الحزن، شعر المشاركون بأنهم ميزوا بين الوجوه الضاحكة والوجوه الحزينة.

لماذا، إذن نرى أشياءً (كالوجوه الضاحكة مثلًا) رغم عدم وجودها في الواقع؟ يقول جوليج (Jolij) «إن ذلك يحدث بسبب العمليات النزولية (top-down) في الدماغ، حيث يعتمد وعينا عليها بشكل كبير…».

ويشير مصطلح العمليات النزولية (top-down) في الدماغ إلى الطريقة التي يستفيد بها الدماغ من المعلومات التي يجري نقلها إليه عن طريق الجهاز العصبي الحسي.

«…يقوم الدماغ على الدوام بعمل مقارنة بين المعلومات الواردة لديه عن طريق العين وبين توقعات الدماغ المبنية على معرفتك بالحياة. والناتج من هذه المقارنة هو الواقع الذي نخبرهُ وندركهُ». وبهذا فإن الدماغ يبني التوقعات اعتمادًا على الخبرات الحياتية وعلى المزاج أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد